التربية الروحية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٧ - آثار التقوى في الدنيا
فإنّ المراد بهذا النور العلم الذي يهتدي به الإنسان إلى الحقّ في الاعتقاد والعمل قطعاً.
وكما أنّ له من العلم والإدراك ما ليس لغيره، كذلك له من موهبة القدرة على
إحياء الحقّ وإماطة الباطل ما ليس لغيره، وهذا العلم والقدرة الحديثان يمهّدان له أن يرى الأشياء على ما هي عليها، فيقسمها قسمين: حق باق وباطل فان، فيعرض بقلبه عن الباطل الفاني الذي هو الحياة الدنيا بزخارفها الغارّة الفتّانة، ويعتزّ بعزّة الله، فلا يستذله الشيطان بوساوسه، ولا النفس بأهوائها وهوساتها ولا الدنيا بزهرتها لما يشاهد من بطلان أمتعتها وفناء نعمتها.
ويتعلق قلبه بربّه الحق الذي هو يحق كل حق بكلماته، فلا يريد إلّا وجهه ولا يحبّ إلّا قربه ولا يخاف إلّا سخطه وبعده، يرى لنفسه حياة طاهرة دائمة مخلّدة، لا يدبر أمرها إلّا ربّه الغفور الودود، ولا يواجهها في طول مسيرها الحسن الجميل، فقد أحسن كلّ شيء خلقه، ولا قبيح إلّا ما قبّحه الله من معصيته.
فهذا الإنسان يجد في نفسه من البهاء والكمال والقوّة والعزّة واللذّة والسرور ما لا يقدّر بقدر، وكيف لا؟ وهو مستغرق في
حياة دائمة لا زوال لها ونعمة باقية لا نفاد لها ولا ألم فيها وكدورة تكدرها، وخير وسعادة لا شقاء معها، وهذا ما يؤيد الاعتبار وينطق به آيات كثيرة من القرآن»[١].
[١] -() الميزان في تفسير القرآن: ج ١٢ ص ٣٤١.