التربية الروحية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٢١ - آثار التقوى في الدنيا
استمرّت على ضلالها وخبطها، طبع الله على قلوبهم فاعتادوا ذلك، وأصبحوا يحسبون أنّ الحياة الإنسانية ليست إلّا هذه الحياة المضطربة الشقية التي تزاحمها أجزاء العالم المادي وتضطهدها النوائب والرزايا، ويحطّمها قهر الطبيعة الكونية، وأن ليس للإنسان إلا أن يتقدّم في العلم ويتجهز بالحيل الفكرية، فيبارزها ويتخذ وسائل كافية في رفع قهرها وإبطال مكرها، كما اتخذ اليوم وسائل تكفي لرفع القحط والجدب والوباء والطاعون وسائر الأمراض العامة السارية، واخرى تنفي بها السيول والطوفانات والصواعق، وغير ذلك ممّا يأتي به طاغية الطبيعة ويهدّد النوع بالهلاك.
قتل الإنسان ما أكفره! أخذه الخيلاء فظنّ أنّ التقدّم فيما يسميه حضارة وعلماً، يعده أنه سيغلب طبيعة الكون ويبطل عزائمها ويقهرها على أن تطيعه في مشيئته، وتنقاد لأهوائه، وهو أحد أجزائها المحكومة بحكمها،
الضعيفة في تركيبها، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، ولو فسدت لكان الإنسان الضعيف من أقدم أجزائها في الفساد وأسرعها إلى الهلاك.
فهذه حقيقة برهانية تقرّر: أنّ الإنسان كغيره من الأنواع الكونية مرتبط الوجود بسائر أجزاء الكون المحيط به، ولأعماله في مسير حياته وسلوكه إلى منزل السعادة ارتباط بغيره، فإن صلحت للكون صلحت أجزاء الكون له وفتحت له بركات السماء وإن فسدت أفسدت الكون، وقابله الكون بالفساد، فإن رجع إلى الصلاح فبها، وإلّا جرى على فساده، حتّى إذا تعرّق فيه، انتهض عليه الكون وأهلكه بهدم بنيانه وإعفاء أثره، وطهّر الأرض من رجسه»[١].
[١] -() الميزان في تفسير القرآن، ج ٨، ص ١٩٦.