فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٨٤ - الفص السادس
المقام الذي يدفع بصاحبه إلى طلب مقام أعلى و هو معنى قوله:
|
فمن كونه عبداً يرى عين نفسه |
و تتسع الآمال منه بلا شك |
|
و هي الآمال في الوصول إلى مقام الوحدة.
أما إذا حصل في المقام الثاني فإنه يحِسُّ بربوبيته و يشعر أن الكون كله طوع أمره. هذا هو المقام الذي صاح فيه الحلاج بقوله أنا الحق! ينمحي في هذا المقام الفرق بين العبد و الرب و يشعر صاحبه أن كل ما في الوجود يطالبه بحاجاته. فإذا غفل لحظة واحدة عن هذا المقام «و رأى عينه» كما يقول- أي لاحظ جانب عبوديته، أدرك عجزه المطلق عن أن يجيب مطالب الوجود و أدرك افتقاره المطلق إلى اللَّه. و هذا معنى قوله:
|
و يعجز عما طالبوه بذاته |
لذا ترَ بعض العارفين به يبكي |
|
و لما كان المقام الثاني هو مقام الفناء التام و محو جميع آثار العبودية، و هذا مستحيل في هذا العالم، لأن العارف مهما بلغ من درجات الفناء لا يتحرر تماماً من نفسه، نصح ابن عربي الصوفية ألا يدعوا مقام الربوبية و أن يبقوا على عبوديتهم في قوله:
|
فكن عبد رب لا تكن رب عبده |
فتذهب بالتعليق في النار و السبك |
|
أي فتفنى بواسطة تعلقك بالربوبية في نارها المحرقة التي لا تبقي على شي ء من عبوديتك.
و لأصحاب وحدة الوجود عبارات كثيرة في هذا المعنى منها أن الحق غيور و أن الرب غيور- أي لا يحب أن يرى غيره، فإذا ظهر بطلت الغيرية. و منها كلامهم في سبحات وجه اللَّه التي تحرق كل من نظر إليها و هكذا.