فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٨٣ - الفص السادس
و من يتقي اللَّه بهذا المعنى ليس هو من يخاف اللَّه، بل هو الذي يتخذ اللَّه وقاية له: أي يعتبر الذات الإلهية وقاية و حماية لصورته الانسانية، و بذلك يفرِّق (من الفرقان) بين الناحيتين اللتين فيه و هما ناحية اللاهوت و ناحية الناسوت. هذا هو مقام الفرقان. أما مقام «القرآن» فليس فيه هذا التمييز أو هذه التفرقة.
غير أن «الفرقان» قد يحصل قبل دخول الصوفي في حال الفناء (و هي حال القرآن) و قد يحصل بعد خروجه منها. أما إذا فرّق بين لاهوته و ناسوته قبل الفناء فهو جاهل بوحدته الذاتية مع الحق: أي جاهل بالوحدة التي لا انفصام لها بين اللاهوت و الناسوت. و أما إذا فرَّق بعد الفناء فلعلمه بأن الحق و الخلق (اللاهوت و الناسوت) و لو أن بينهما اتحاداً ذاتياً- كما دلت عليه حال الفناء.- إلا أن الخلق متميز من الحق امتياز الصورة من الجوهر الذي هي صورة له.
و هذا ما دلّ عليه حال «البقاء». هذا «فرقان» أيضاً و لكنه «فرقان» بعد «قرآن» أو هو كما يقول الصوفية «بقاء بعد فناء» أو «صحو بعد محو». قال ابن الفارض في تائيته:
|
و في الصحو بعد المحو لم أكُ غيرها |
و ذاتي بذاتي إذ تحلت تجلت |
|
(١٠)
|
«فوقتاً يكون العبد رباً بلا شك» |
الأبيات.
(١٠) نشرح هذه الأبيات جهتي الحق و الخلق في الإنسان و هما الجهتان اللتان يعبر عنهما أحياناً باسم اللاهوت و الناسوت و أحياناً باسم الربوبية و العبودية. و قد سبق أن ذكرنا أنهما جهتان اعتباريتان لحقيقة واحدة و أن لا ثنوية في مذهب ابن عربي. فبأحد الاعتبارين نستطيع أن نقول إن الإنسان عبد لربه، و بالاعتبار الآخر نستطيع أن نقول إنه هو الرب. فهو عبد في مقام الفرق أو الفرقان، و ربّ في مقام الجمع أو القرآن كما قدمنا. و في المقام الأول لا يتحقق العبد من اتحاده الذاتي بربه: فهو لا يزال يفرّق بين عبوديته و ربوبية الرب، مع أن اللاهوت جزء من حقيقته كالناسوت تماماً و إن كان لا يعرف ذلك. و هذا هو