فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٨ - الفص الثالث
إلى نبي الإسلام القول بهذه النظرية. و هنا موقف من المواقف التي أراد أن يسجل فيها على القرآن و صاحب القرآن الدعوة إلى الحقيقة الواحدة التي هي من وجه منزهة و من وجه مشبهة. و لكن القرآن و إن قال بالتنزيه و التشبيه، لا يستعملهما في المعنى الذي يقول به أصحاب وحدة الوجود. فقرآن ابن عربي الذي يقابله بالفرقان غير قرآن المسلمين، و إن كان التلاعب بالألفاظ قد يؤدي إلى الخلط بينهما. يقول: «و لهذا ما اختص بالقرآن إلا محمد صلى اللَّه عليه و سلم و هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس. فليس كمثله شي ء يجمع الأمرين (أي التنزيه و التشبيه) في أمر واحد». و لكن المعنى ليس بخاف الآن بعد الذي ذكرناه.
(٦) «دعاهم ليغفر لهم».
(٦) معنى الآية دعاهم نوح إلى اللَّه ليغفر اللَّه لهم ذنوبهم. و لكن «يغفر» هنا مأخوذة بمعناها الحرفي من غفر بمعنى ستر. و الستر ضد الكشف و الظهور. و على ذلك يفهم ابن عربي الآية على معنى أن نوحاً عليه السلام دعا قومه إلى الستر المطلق لا إلى مقام الكشف و الظهور، لأن الحق المنزَّه سترٌ أو غيب محض لا تدركه العقول و لا الأبصار- و لم يَدْعُهُمْ إلى مقام الظهور و هو تجلي الحق في صور الموجودات. و لذلك كان جوابهم سلسلة من أعمال الستر، فإنهم وضعوا أصابعهم في آذانهم و استغشوا ثيابهم إلخ، فكانت إجابتهم من مثل دعوته.
(٧) «و هو في المحمديين «وَ أَنْفِقُوا ...» إلى قوله: كما قال الترمذي.
(٧) الفرق بين قوم نوح و قوم محمد في نظر ابن عربي هو أن النوحيين ادعوا لأنفسهم الحق في المُلك الذي هو العالم و اعتبروا اللَّه وكيلًا عنهم متصرفاً فيهم.
و هذا ما جعل نوحاً يدعوهم إلى التنزيه. لأنهم من العالم و العالم منهم: أما الحق فهو الوكيل المنزه عن شئونهم. أما المحمديون (فيما يزعم ابن عربي) فادعوا أن المُلك للَّه و أن الإنسان خليفة اللَّه على المُلك أو وكيل اللَّه عنه فيه. و هذا ما