فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٥ - الفص الثالث
فإن زالت الحياة عن الإنسان لا يقال فيه إنه إنسان على الحقيقة. و كذلك إن زال الحق عن صورة العالم لا يقال إنه عالم على الحقيقة. و لكن الحق لا يمكن زواله عن صورة العالم أصلًا، لذلك كان وصف الإلهية- الذي هو للحق بالأصالة- وصفاً للعالم أيضاً على طريق الحقيقة لا المجاز. و يظهر أن هذا هو المعنى المراد لأنه يتمشى مع ما يلي من النصوص.
و يمكن أن يعود الضمير في «له» على الحق، و يكون معنى الجملة أن الحق لما كان موجوداً بذاته في صور العالم لا يُزَالُ عنها أصلًا، و لما كان العالم صورة له تتجلى فيها صفاته و أسماؤه، كان وصف الحق بالألوهية وصفاً حقيقيًّا لا مجازياً، لأن العالم مألوه يفتقر في وجوده إلى إله و وجود المألوه يفترض وجود الإله لا محالة. غير أن معنى الحقيقة و المجاز لا يظهر في هذه الحالة ظهوره في الحالة الأولى.
و الواقع أنه لا فرق في مذهب يقول بوحدة الوجود كمذهب ابن عربي أن تنسب الألوهية للحق من وجه أو إلى العالم من وجه آخر، فإن الحقيقة واحدة في الحالين و إن اختلفت بالاعتبار. يؤيد ذلك ما يقوله في الفقرة التالية مباشرة من أن اللَّه هو المثنِي و المثنَى عليه. فإن جميع ما في الوجود من كائنات ناطقة و غير ناطقة روحية أو مادية، حية أو غير حية، تلهج بالثناء على اللَّه بمعنى أنها مظاهر تتجلى فيها عظمته و كماله، و لكنه ثناء صامت لا يدركه الإنسان عادة- و لذلك قال: «وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» (قرآن س ١٧ آية ٤٦). و لكن إلى الحق ترجع عواقب ذلك الثناء. فالثناء منه و عليه: منه لأنه الظاهر في صورة المثني: و عليه لأنه الباطن الذي يوجه كل الثناء إليه.
(٤) «فإن قلت بالتنزيه ... الأبيات».
(٤) هذه الأبيات تلخص لنا مذهب ابن عربي في التشبيه و التنزيه، و قد شرحنا معناهما فلا داعي للمزيد في هذا الشرح. و لكنا سنجمل معنى الأبيات إجمالًا في صورة أبسط و أدنى إلى الفهم.