فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٣ - الفص الثالث
مخالف لجميع الحوادث، و هذا القول في نفسه تحديد و تقييد. و لذلك لم يرتض من معاني التنزيه إلا المعنى الذي شرحناه.
و المنزه في نظره- إذا فهم التنزيه بالمعنى الثاني- إما جاهل و هو الفيلسوف الذي ينكر الشرائع و ما ورد فيها، و إما سيِّئُ الأدب و هو المعتزلي الذي يقول بالتنزيه المطلق و كأنه يتجاهل ما ورد في القرآن من آيات صريحة تشعر بالتشبيه.
(٢) «فإن للحق في كل خلق ظهوراً ... فالحق محدود بكل حد».
(٢) هذه الجملة من أصرح ما قال به ابن عربي في التعبير عن وحدة الوجود و عن ناحيتي التنزيه و التشبيه اللتين أسلفنا ذكرهما يقول: فهو (أي الحق) الظاهر في كل مفهوم (أي مدرك بالفهم) و هو الباطن عن كل فهم إلا عن فهم من قال إن العالم صورته و هويته». فظهور الحق تقييده و هذا هو التشبيه، و بطونه إطلاقه و هو التنزيه. و لذلك إذا أردنا أن نضع له تعريفاً وجب أن يؤخذ في التعريف الظاهر و الباطن جميعاً. و قوله «فيؤخذ في حد الإنسان مثلًا ظاهره و باطنه» يمكن أن يفسر بمعنى فإن أريد تعريف الإنسان مثلًا وجب أن يؤخذ في التعريف ظاهره (أي الإنسان) و باطنه، بأن يشير التعريف إلى حيوانيته و عقله. و يمكن أن تفسر على أن الضمير في ظاهره و باطنه يعود على الحق: أي يؤخذ في تعريف الإنسان ما بطن فيه من الحق و ما ظهر. و على الاعتبار الأول يكون تعريف الإنسان بأنه الحيوان الناطق مثالًا لما يجب أن يكون عليه تعريف الحق أو تعريف أي شي ء من أنه يشمل الظاهر و الباطن. و على الاعتبار الثاني يكون تعريف الإنسان مثالًا يتبين فيه كيف تدخل صفات الحق الظاهرة و الباطنة في تعريفات الأشياء، إذ أن النطق في الإنسان مظهر من مظاهر الاسم «الباطن» و الحيوانية مظهر من مظاهر الاسم «الظاهر»: و هما من الأسماء الإلهية. هذا هو التفسير الذي