فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٢٢ - الفص السابع و العشرون
يكون معنى قوله بدى ء به الأمر و ختم، بدى ء به أمر الوجود و ختم به أمر الرسالة.
هذا، و قد شاع بين جمهور الصوفية الاستدلال بالحديث: «كنت نبياً و آدم بين الماء و الطين» على أزلية محمد (الحقيقة المحمدية)، و لكن الغزالي يخالفهم في ذلك قائلًا إن المراد من الحديث النص على أن النبي عليه السلام قد قدر له أزلًا أن يكون نبياً قبل أن يخلق اللَّه آدم أو أي مخلوق آخر. و تفسير الغزالي لا يبين جهة الاختصاص في حالة النبي عليه السلام، لأن كل نبي آخر قد قدر له أزلًا أن يكون نبياً قبل خلق آدم.
(٣) «و أول الأفراد الثَلاثةُ ...... إلى قوله و الدليل دليل لنفسه».
(٣) أول الأعداد الفردية هو الثلاثة لا الواحد، لأن الواحد عندهم ليس بعدد و إنما هو أصل الأعداد. و ما زاد على الثلاثة من الأعداد الفردية فهو متفرع عنها، كالخمسة المتفرعة عن الثلاثة بإضافة جزئين منها إلا نفسها، و التسعة المتفرعة عن الثلاثة بضربها في نفسها و هكذا. و على أساس هذه الفكرة العددية بنى ابن عربي فكرة ميتافيزيقية موازية لها، لا فيما يذكره عن «محمد» باعتباره مظهراً للاسم الإلهي «الفرد»، بل في كل ما يقوله عن عملية الخلق التي يرجعها إلى الفردية الثلاثة.
فأول صورة تعينت فيها الذات الإلهية كانت ثلاثية، لأن التعين كان في صورة العلم حيث العلم و العالِم و المعلوم حقيقة واحدة. و قد كان هذا التعين الأول تعيناً حُبيًّا أيضاً، حيث الحب و المحب و المحبوب حقيقة واحدة، و إلى هذا أشار ابن عربي في قوله:
|
تثلث محبوبي و قد كان واحداً |
كما صيروا الأقنام بالذات أقنما[١] |
|
و أول حضرة إلهية ظهر عنها العالم ثلاثية أيضاً، لأنها حضرة الذات الإلهية المتصفة بجميع الأسماء و الصفات، و هي التي تسمى في اصطلاح القوم «حقيقة الحقائق» و «البرزخ الجامع» و غير ذلك من الأسماء. و عملية الخلق أيضاً ثلاثية، لأنها تقتضي
[١] ترجمان الأشواق ط. بيروت ١٣١٢ ه ص ٤٢. قارن الفتوحات ج ٣ ص ١٧١.