فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٢١ - الفص السابع و العشرون
في هذا الوصف الاجمالي لما يسميه ابن عربي «الكلمة المحمدية»، أو الحقيقة المحمدية، عناصر مختلفة مستمدة من الفلسفة الأفلاطونية الحديثة، و الفلسفة المسيحية و اليهودية، مضافاً إلى ذلك بعض أفكار من مذهب الاسماعيلية الباطنية و القرامطة.
مزج جميع تلك العناصر على طريقته الخاصة، فضيع بذلك معالم الأصول التي أخذ عنها، و خرج على العالم بنظرية في طبيعة الحقيقة المحمدية، لا تقل في خطرها و أهميتها في تاريخ الأديان عن النظريات التي وضعها المسيحيون في طبيعة المسيح، أو النظريات اليهودية أو الرواقية، أو اليونانية التي تأثرت بها النظرية المسيحية.
هذا هو ما يقصده ابن عربي بالكلمة المحمدية، و هي شي ء يختلف تمام الاختلاف عن شخصية النبي محمد صلى اللَّه عليه و سلم، بل ليس بينهما من الصلة إلا ما بين الحقيقة المحمدية و أي نبي من الأنبياء أو رسول من الرسل أو ولي من الأولياء.
فالكلمة المحمدية إذن شي ء ميتافيزيقي محض خارج عن حدود الزمان و المكان.
أو قل إن شئت هي الحق ذاته ظاهراً لنفسه في أول تعين من تعيناته في صورة العقل الحاوي لكل شي ء، المتجلي في كل كائن عاقل. و ليس هذا الاختصاص لغير الكلمة المحمدية، و من هنا كانت فردية الحكمة المحمدية كما يشير إلى ذلك عنوان الفص. و قد وردت تسمية هذه الحكمة بالحكمة الكلية أيضاً في بعض النسخ، و ليس لها معنى إلا ما ذكرنا.
(٢) «و لهذا بدى ء به الأمر و ختم».
(٢) يدل كلام المؤلف الآتي بعد ذلك مباشرة على أن المراد بكلمة «الأمر» هنا أمر الرسالة، لأنه يقول: فكان نبياً و آدم بين الماء و الطين، ثم كان بنشأته العنصرية خاتم النبيين. و لكن الأوْلى أن نفهم من قوله «كنت نبياً و آدم بين الماء و الطين» الإشارة إلى أسبقية وجود آدم، لا من حيث نبوته، بل من حيث مطلق و وجوده. أي أن المراد الإشارة إلى أن الروح المحمدي أول موجود. و بذلك