فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٩٦ - الفص الخامس و العشرون
و أحياناً يفرقون بين السبب و الشرط على أساس أن السبب هو ما إذا وُجِدَ وجد مسبَّبه و إذا لم يوجد لم يوجد مسبَّبه، في حين أن الشرط هو ما إذا لم يوجد المشروط، و لكنه إذا وجد فقد يوجد و قد لا يوجد المشروط. و قد تستعمل كلمتا السبب و العلة على سبيل الترادف في الفلسفة، و لكن الفقهاء يميزون بينهما من وجهين: الأول أن المسبَّبَ يوجد عند وجود سببه لا به، في حين أن المعلول شي ء لازم عن العلة ذاتها. الثاني أن معلول العلة يحصل عنها مباشرة و بغير واسطة، في حين أن المسبَّب لا يحصل عن سببه مباشرة.
(٥) «فكما أنه ليس شي ء من العالم إلا و هو يسبح بحمده، كذلك ليس شي ء من العالم إلا و هو مسخَّر لهذا الإنسان».
(٥) كل شي ء في الوجود يسبّح الحق لأنه يعلن صفة من صفاته، أو يظهر اسماً من أسمائه. و في ذلك إفصاح عن الكمالات الإلهية، و هذا أعلى مراتب التسبيح و التقديس. و ليس هذا التسبيح نطقاً باللسان، و لكنه تسبيح أحوال الكائنات التي تعبِّر عن مكنونات أسرارها، كما أنه ليس المسبِّح بالحمد سوى المسبَّح بحمده:
أي أن «الكل» ألسنة ثناء على «الكل». و في هذا المعنى قال ابن عربي في الفص الخامس:
|
فيحمدني و أحمده |
و يعبدني و أعبده |
|
و لكن أكمل الكائنات تسبيحاً للحق هو أكثرها إظهاراً لكمالاته و هو الإنسان: ذلك الكون الجامع في نفسه حقائق الوجود من أعلاه إلى أسفله، و ذلك المختصر الشريف الذي تنعكس على مرآته صورة الحضرة الإلهية بتمامها. و ليس تسخير ما في السموات و الأرض للإنسان في قوله تعالى: «وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ» سوى إظهار جميع حقائق الوجود في الإنسان.
و هي مسخَّرة له: لا بمعنى خضوعها له، بل بوجودها فيه بمعناها و حقيقتها. و هذا سر