فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٥٧ - الفص الثاني و العشرون
الفص الثاني و العشرون
(١) «إلياس الذي هو إدريس»: (١) أشار إليه في الفص السابع و نسب إليه الحكمة القدوسية.
يذهب الكتاب المسلمون أمثال القفطي و اليعقوبي و ابن أبي أصيبعة[١]- متبعين في ذلك بعض المصادر العبرية- إلى أن إدريس الوارد ذكره في القرآن هو هرميس إله الحكمة عند المصريين و اليونان، و أنه أيضاً أخنوخ النبي اليهودي.
و قد أَدى إلى هذا الخلط الغريب، التطورات التي مرَّ بها تاريخ هرميس إله الحكمة عند قدماء المصريين و اليونان على يد وثنيي حران من جهة و المسلمين و اليهود من جهة أخرى. فإننا نعلم أنه عند ما قلَّت أهمية هرميس في العالم الهليني القديم و قلَّت عناية هذا العالم بالكتابات الهرميسية منذ منتصف القرن السادس الميلادي، انتقل مركز العناية به و بهذه الكتابات إلى حران المركز الثقافي الوثني العظيم في بلاد الجزيرة. و ليس هناك من شك في أن الكتابات الهرميسية كانت معروفة باللغة العربية في هذا الجزء من العالم حوالي القرن التاسع الميلادي، و أنه يحتمل أَن تكون قد ترجمت من أصلها اليوناني إلى اللغة السريانية قبل ذلك بقرون. و مما هو جدير بالذكر هنا أنه قبل أن يعرف العرب هرميس كان بعض الكتَّاب من الشرقيين قد غيَّروا كثيراً من معالم شخصيته و بدلوا كثيراً من الكتابات الهرميسية فمزجوا هذه الكتابات بأفكار يهودية و غير يهودية مما كان شائعاً في الشرق عندئذ، كما صوروا هرميس إله الحكمة عند اليونان بصورة نبي
[١] القفطي ج ١ ص ٢، اليعقوبي ج ١ ص ١٦٦، ابن أبي أصيبعة ج ١ ص ١٦.