فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٣٧ - الفص التاسع عشر
اللَّه لأن كل شي ء منه و إليه، و الوجه الآخر هو رأي المتكلمين الذين يعتبرون اللَّه مخالفاً لجميع الحوادث و ينظرون إليه من حيث هو إله معبود، فإن العبادة تتضمن اثنينية العابد و المعبود و لا يقول بهذه الاثنينية إلا المحجوبون عن حقيقة الوحدة الوجودية.
(٥) «ثم كان لأيوب عليه السلام ذلك الماء شراباً لإزالة ألم العطش الذي هو من النُّصب و العذاب الذي مسه به الشيطان».
(٥) كلمة شيطان مشتقة من شطن التي من معانيها بَعُدَ، فالشيطان الذي مس أيوب و ورد ذكره في القرآن في قوله: «أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَ عَذابٍ» إنما هو البعد عن الحقيقة و الجهل بها.
و من معاني كلمة شيطان في اللغة العربية عطش الصحراء لأن العرب يسمون العَطش شيطان القلا. و لهذا قرن المؤلف الشيطان بالماء الذي شربه أيوب ليزيل عنه ألم ذلك العطش، فهو لا يريد بالشيطان مطلقاً المعنى المتعارف. فالعطش الذي أحس أيوب بألمه- كما شرحنا ذلك في التعليق الأول من تعليقات هذا الفص- إنما كان شوقه إلى معرفة الحقيقة التي كان يجهلها، و الشيطان الذي مسه بالنُّصب و العَذاب لم يكن سوى حالة الحرمان الروحي التي كان عليها.
(راجع الفيروزآبادي في مادة شطن).
(٦) «فكل مشهود قريب من العين و لو كان بعيداً بالمسافة، فإن البصر يتصل به من حيث شهوده و لو لا ذلك لم يشهده، أو يتصل المشهود بالبصر».
(٦) تشير هذه العبارة إلى نظريتين من أقدم النظريات في الإبصار: الأولى نظرية أفلاطون في طيماوس و هي أن البصر كغيره من الحواس يدرك المبصرات إدراكاً لمسياً بواسطة شعاع يخرج من العين و يقع على الأشياء المبصرة، و الثانية هي نظرية أرسطاطاليس و هي أن المبصرات تنطبع صورها على شبكية العين عند ما ينيرها مصدر من مصادر الضوء، و على كلتا النظريتين يحصل اتصال مباشر بين البصر و المبصرات مهما بعدت المسافة بينهما.