فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٣٥ - الفص التاسع عشر
و غيرهما. و لكن المراد بالفوقية هنا مجموع صفات الألوهية فإن كل آية وردت فيها هذه الفوقية تشير إلى ناحية خاصة من نواحي صلة الألوهية بالكون.
و لكن ابن عربي يشير إلى نسبة أخرى بين الحق و الخلق أو بين اللَّه و العالم و هي نسبة «التحتية» ثم يشرع في تلمس مصدر من القرآن أو الحديث يعزز به فكرته فلا يجد إلا الحديث القائل «لو دليتم بحبل لهبط على اللَّه»، و هو في نظره دليل كاف على نسبة التحتية إلى اللَّه على معنى أن اللَّه أصل كل الموجودات و أساسها. على أنه تلمس لفكرته أسانيد من القرآن أيضاً فعثر على بعض النصوص التي أولها تأويلًا بعيداً خرج بها عن معناها الأصلي مثل قوله تعالى: «وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ». و الفكرة التي يريد أن يشير إليها بسيطة و واضحة بقطع النظر عما يؤيدها به من حديث أو نص قرآني، ذلك أن نسبة التحتية عنده نسبة الذات الإلهية الواحدة إلى صور الموجودات الكثيرة المتجلية فيها. هي بعبارة أخرى مذهبه في وحدة الوجود.
و قد يبدو أن بين نسبتي الفوقية و التحتية تناقضاً ظاهراً لأن الأولى تشير إلى فكرة عن اللَّه (بالمعنى الديني) في حين أن الثانية تشير إلى فكرة الواحد في الكل (فكرة وحدة الوجود). و لكن لا وجود لهذا التناقض في الحقيقة، لأن ابن عربي لا يعتبر الفوقية و التحتية إلا وجهين لنظرنا نحن إلى حقيقة الوجود الواحدة: فإن اللَّه في نظره ليس الإله الذي يصوره الدين و إنما هو الحقيقة الوجودية التي إن نظرنا إليها من وجه قلنا إنها «فوق» كل شي ء بمعنى أنها تتعالى عن كل شي ء- و هذه هي صفة التنزيه التي شرحناها من قبل- و إذا نظرنا إليها من وجه آخر قلنا إنها «تحت» كل شي ء أو إنها أصل كل شي ء- و هذه هي صفة التشبيه التي ذكرناها أيضاً.
(٣) «و إنما قلنا هذا من أجل من يرى أن أهل النار لا يزال غضب اللَّه عليهم دائماً أبداً في زعمه».