فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٣٢ - الفص الثامن عشر
(٢) «ذكر اللَّه».
(٢) الذكر في الأصل معناه التلفظ أو التذكر، و لكن هذه الكلمة قد اكتسبت معنى أوسع من هذا في الاصطلاح الصوفي غير أنها تستعمل في هذا الفص استعمالًا خاصاً محدوداً، فإن المؤلف يستعملها مرادفة لكلمة الفناء بالمعنى الذي يفهمه أصحاب وحدة الوجود: أعني الحال التي يتحقق فيها الصوفي بوحدته الذاتية مع اللَّه. فذكر اللَّه معناه هنا الحضور مع اللَّه و الفناء فيه و هذا يقتضي الصوفي أن يجمع جميع قواه البدنية و الروحية بحيث يكون حضورها جميعاً تاماً مع اللَّه، و إذا وصل الصوفي إلى هذا المقام انكشف له الحق و انمحى كل أثر بين الواحد و الكثير: أي بين الحق و الخلق و الذاكر و المذكور و تحققت وحدة الاثنين.
و غني عن البيان أن المراد «بذكر اللَّه» الوارد في الحديث التعبد جملة و التأمل الذي ينأى بصاحبه عن الفحشاء و المنكر، و يحصل له الطمأنينة النفسية كما وردت بذلك الآيات القرآنية: قال تعالى: «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ». و قال: «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ».
و لكن الذكر كما يفهمه ابن عربي و يشرحه فيما بعد معناه كما قلنا التحقق بوحدة الوجود و هو في نظره أعلى مرتبة من ذكر أي كائن آخر، لأنه صادر عن أكمل المخلوقات. على أن ذكر الإنسان للَّه قد يكون في مراتب أخرى أدنى من هذه و ذلك إذا كان صادراً عن اللسان وحده أو القلب وحده. أما إذا صدر عن الإنسان في مرتبة الجمعية و سرى في كل جزء من أجزائه الروحية و البدنية فإنه يمثل أرقى حال و أكمل سعادة يمكن أن يصل إليهما السالك إلى اللَّه. في هذا تتمثل الكرامة الانسانية و يظهر فضل الإنسان على سائر المخلوقات حتى الملائكة، فإن كل مخلوق يذكر اللَّه و يتجلى له اللَّه بحسب مرتبته في الذكر- و هذا معنى أشار إليه ابن عربي في مواضع أخرى عند ما تكلم عن تسبيح الكائنات