فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢١٨ - الفص السادس عشر
الفعل و القوة اللذين هما وجها الحقيقة الوجودية. أما إذا فهمناهما بمعناهما المنطقي على أنهما من أوصاف القضايا، أمكننا أن نقول- اعتماداً على ما ذكرناه آنفاً من أن الوجود الحقيقي هو وجود الحق- إن القول الصريح هو «أن الحق هو الموجود»، فإذا أضفنا لأنفسنا وجوداً- كما نضيف للظلال وجوداً في حين أنها لا جود لها في ذاتها- كان قولنا «نحن موجودون» متضمناً في قولنا «إن الحق موجود». و كذلك الحال في المشي على الصراط المستقيم الذي هو صراط الوجود، فإن الحق على هذا الصراط صريحاً، و نحن عليه بالتبعية لأنه ليس في الوجود إلا الحق، و أعياننا العدمية على الصراط المستقيم بتبعيته. و هذا معنى كونه آخذاً بنواصينا في قوله تعالى: «ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ».
و معنى هذا كله أنك إذا نظرت إلى الحقيقة الوجودية من حيث إنها «الحق» كان الوجود الظاهر (العالم) شيئاً موجوداً فيه بالقوة أو متضمناً كما يقول، و إذا نظرت إليها من حيث إنها الخلق الظاهر، قلت إن ذلك الظاهر مجلى للحق و مظهرٌ و إن الحق متضمن فيه (١٦) «و أما التسخير الذي اختص به سليمان و فَضَل به غيره إلخ ...».
(١٦) قد شرحنا بعض نواحي التسخير و التصرف في مواضع سابقة من هذا الكتاب (راجع الفص السادس: التعليق ٩، و الفص الثالث عشر كله) و ليس بين معنييهما كبير فرق إلا أن التسخير إخضاع الشي ء لقوة خارجة عنه تعمل فيه، و التصرف هو استخدام تلك القوة لإحداث أي تغير في الشي ء المسخر. و يظهر أن ابن عربي يفرّق بين نوعين مختلفين من التسخير: الأول التسخير الحاصل بوساطة قوة خاصة يطلق عليها الصوفية اسم «الهمة». و الثاني تسخير الأشياء بمجرد الأمر من غير استعانة بتلك القوة. و يلزم من هذا أن من تُسخر له الأشياء بوساطة الهمة لا بدّ أن يكون قد وصل إلى درجة روحية خاصة هي درجة