فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٩٥ - الفص الخامس عشر
كطبيعة أجرام الأفلاك نفسها، في حين أن طبيعته الثانية نورانية.
(١٧) «فلهذا أُخْرِج العالم عن صورة من أوجدهم و ليس إلا النَّفَس الإلهي».
(١٧) ليس المراد بإخراج العالم هنا خلقه من العدم، بل إظهاره بالصورة التي هو عليها. و الذي أخرج العالم بالصورة التي هو عليها هو النّفَس الإلهي الذي قبل جميع صور الوجود، أو هو حضرة الأسماء الإلهية كما سبق أن ذكرنا. فالعالم الذي هو «الإنسان الكبير» خلق على صورة الحق- بل هو صورة الحق، كما أن آدم- العالم الأصغر- قد خلق على صورة الحق. و الفرق بين الصورتين أن الأولى صورة مفصلة و الأخرى مجملة، و الأولى مركبة من أكوان و صور مختلفة، و الأخرى كون واحد جامع يحتوي ما في العالم كله أعلاه و أسفله.
و لما كان النفس الإلهي قد قبل الأضداد و تفتحت فيه الكثرة الوجودية المتناقضة كل أنواع التناقض، ظهر العالم بصورة من أوجده فانعكس فيه كل ما هو في الأصل الذي صدر عنه و ظهر فيه التقابل و التناقض ايضاً. و يستوي عند ابن عربي أن نقول إن الأسماء الإلهية تعددت و تناقضت لظهور أحكام الكثرة الوجودية فيها، أو أن العالم وقع فيه الكثرة و التناقض من أجل ظهور أحكام الأسماء الإلهية فيه.
(١٨) «ثم إن هذا الشخص الانساني عَجَنَ طينته بيديه و هما متقابلتان و إن كانت كلتا يديه يمينا».
(١٨) الشخص الانساني هو آدم أو الجنس البشري. و قد عجن اللَّه صورته بيديه المتقابلتين أي أظهر فيه كمالات أسمائه و صفاته المتقابلة: و هي أسماء الجمال و أسماء الجلال. على أن الأسماء و الصفات الإلهية المتقابلة لم تظهر في الصورة الانسانية وحدها، بل هي ماثلة في جميع مظاهر الوجود.
أما وصفه يدي الحق بأن كلتيهما يمين فيرجع فيما أرى إلى سببين: