فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٩٣ - الفص الخامس عشر
نَفْسٍ إلهية تتفتح فيها صور العالم، أي أن القرآن لم يحدثنا عن جوهر روحي عام تتعين فيه صور الموجودات في العالم، و إن ذكر لنا أن اللَّه هو واهب الحياة لكل كائن حي. و لذلك كان من الواجب أن نبحث عن أصل ما يقوله ابن عربي في هذا الصدد في مصدر آخر غير القرآن، و أغلب الظن عندي أنه استمد فكرة النفس الكلية التي تفتحت فيها صور العالم، من الكتابات الهلينية المتأخرة المتأثرة بالفلسفة الهرميسية. فقد ذكر في المقالة التاسعة من مجموعة الفلسفة الهرميسية[١] إن نَفَس الحياة الساري في العالم على الدوام يمد الأجسام بما يتعاقب عليها من الصفات، و يجعل من العالم كتلة واحدة حية. و في موضع آخر «إن الحياة و العقل يُنْفَخان نفخاً في كل ذي روح من الموجودات، و إن اللَّه قد نفخ الحياة و العقل في العالم منذ أنشأته».
و ليس هذا النّفَس الساري في الوجود الذي نفخ به اللَّه في كل كائن، سوى ما يسميه ابن عربي بالنفس الرحماني على ما بين الفكرتين من اختلاف في التفاصيل.
و سواء أ قلنا- كما يقول النص- إن النَّفَس الإلهي قد قبل صور العالم أو إن صور العالم قد قبلته، فإننا في الحالين يجب ألا نفهم من القبول و الإعطاء معناهما الحرفي، فإن اثنينية القابل و الفاعل ليست إلا اثنينية اعتبارية كما قررنا فيما سبق.
و لما ذكر النفس الرحماني و قارن بينه و بين النفس الحيواني رأى أن ينسب إلى النفس جميع ما يستلزمه من التَّنفيس، و قبول صور الحروف و الكلمات، و وجود الفاعل (النافخ) و القابل (المنفوخ فيه) و حرارة النَّفَس ثم برودته، و رطوبته، و صعوده و هبوطه و غير ذلك. أما التَّنْفيس و قبول صور الكلمات فقد مر ذكرهما، و أما الفاعل و القابل فهما الطبيعة و هيولى العالم على التوالي.
و المراد بالطبيعة القوة الكلية السارية في جميع الموجودات عقولًا كانت أو نفوساً،
[١]
Hermetica B, W. Scott's translation Vol. ١. Libellus IX P. ٣٨١