فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٩٢ - الفص الخامس عشر
و لكن هناك مقاماً آخر هو مقام قرب النوافل الذي يشير إليه الحديث القدسي «لا يزال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي به يسمع و بصره الذي به يبصر إلخ» و في هذا المقام يتحقق العبد من وحدته الذاتية مع الحق فهو مقام اثنينية و الأول مقام أحدية. و لا ضرورة إلى ما ذهب إليه «بالي» من إرجاع الضمير في «فيه» إلى عالم الغيب إذ لا ذكر له في الأبيات:
|
«و ليس بِدَائِمٍ فينا |
و لكن ذاك أحيانا» |
|
الإشارة هنا إلى التجلي الشهودي لا التجلي الوجودي كما يقول «جامي» (شرح الفصوص ج ٢ ص ١٧٢). فالحق يتجلى بالتجلي الوجودي في الخلق على الدوام، و لكنه لا يتجلى بالتجلي الشهودي- أي لا يدركه الخلق إدراكاً ذوقياً شهودياً إلا في بعض الأحيان. و ليس إدراك الحق بالشهود رؤية بعين البصر أو البصيرة فهذا أمر برهن ابن عربي على استحالته في مواطن عدة من هذا الكتاب، و إنما المراد إدراك الوحدة الوجودية ذوقاً في مقام يسميه مقام الشهود و هو مقام الفناء.
(١٥) «فلذلك قَبِلَ النَّفَسُ الإلهي صور العالم».
(١٥) يظهر من ناحية الاشتقاق اللغوي أن كلمتي «النَّفْس» و النّفَس آتيتان من أصل واحد، و لعل هذا راجع إلى اعتقاد القدماء بأن النفْس- أو الروح- جوهر لطيف شفاف أكثر ما يكون شبهاً بالهواء الذي منه النَّفَس الحيواني.
و لهذا كان من السهل تصور انتقال الروح إلى الجسم بواسطة النفخ كما صرح بذلك القرآن في حكاية خلق آدم و عيسى: قال في الأول: «فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي»^، و قال في الثاني: «وَ مَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا». فالنفخ الإلهي كناية عن منح الحياة للجسم المنفوخ فيه، و النَّفَس الإلهي كناية عن النَّفْس أو الروح الإلهي.
و لكن القرآن لم يتكلم عن نَفَسٍ إلهي يقبل صور الموجودات أو عن