فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٩٠ - الفص الخامس عشر
غير أننا يجب ألا نغفل عن الفرق الكبير بين الحلاج و ابن عربي: فالأول حلولي يرى أن اللَّه قد يحل في الإنسان فتظهر بذلك كمالاته و أسرار ألوهيته. أما الثاني فاتحادي يرى أن الإنسان هو المظهر الكامل الدائم للَّه، و أنه لا فرق بين ناسوت و لاهوت إلا بالاعتبار. و لذلك قال:
|
فكن حقاً و كن خلقاً |
تكن باللَّه رحمانا |
|
أي اعتبر نفسك هذا أو ذاك، فأنت حق من وجه و خلق من وجه، و أنت حق و خلق معاً. و إذا نظرت إلى نفسك هذه النظرة كنت مظهراً كاملا للاسم «الرحمن» الذي هو جماع الأسماء الإلهية كلها. و قد عرفنا فيما سبق أن المراد بالاسم الرحمن الاسم الذي يعطي الموجودات حظها من الوجود الذي تتطلبه أعيانها. فهو مرادف للوجود المطلق الذي هو الحق. و على ذلك فالإنسان هو المظهر الكامل للوجود كما أنه المظهر الكامل للأسماء (قارن الفص الأول:
التعليق الخامس).
(١٤)
|
«و غذ خلقه منه |
تكن رَوْحاً و ريحاناً» |
|
(١٤) ذكر فيما مضى تشبيه الحق الساري في الخلق بالغذاء الذي يسري في الجسم و يقومه (الفص الخامس: التعليق الأول). و المراد بالبيت: اعتبر الحق غذاء للخلق لأنه هو الذي يمد الخلق بوجودهم و حياتهم كما يمد الغذاء الجسم المتغذي بحياته. و قد عبر عن هذه الحياة بالريحان. أما الروح بفتح الراء و سكون الواو فهو الراحة، و المراد به التفريج عن الكرب الذي كانت تضطرب به أعيان الموجودات التائقة إلى الوجود كيما تمنَحَ الوجود. و الخطاب هنا موجه إلى الإنسان الكامل- الخليفة- الذي هو سر الوجود و علته. فبوجوده عمت الرحمة جميع الموجودات كما قلنا، و شملتهم الراحة و استنشقوا رائحة الريحان.
على أن «التغذية» ليست من الحق للخلق فحسب، بل هي من الخلق للحق