فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٨٨ - الفص الخامس عشر
بالاسكندرية و من كتابات فلاسفة اليهود الذين عاشوا فيها لا سيما فيلون.
يتساءل ابن عربي بعد ذلك فيقول «فهل تنسب الكلمة إليه (إلى اللَّه) بحسب ما هو عليه فلا تعلم ماهيتها، أو ينزل هو تعالى إلى صورة من يقول «كُنْ»^ فيكون قول كن حقيقة لتلك الصورة التي نزل إليها و ظهر فيها»؟ أما إذا أخذنا كلمة التكوين بهذا المعنى الميتافيزيقي على أن المراد بها العقل الإلهي أو الحقيقة المحمدية التي هي واسطة في الخلق، و نسبناها إلى الواحد الحق، كانت غير معلومة الماهية كما أن الحق نفسه غير معلوم الماهية. و أما إذا فهمناها على حرفيتها فلا يمكن نسبتها إلى الحق مطلقاً لأن الحق يتعالى عن التلفظ و النطق بالكلمات. و إذن يجب نسبتها إلى من ينزل الحق إلى صورته و تكون له القدرة على الخلق كما كان الحال في عيسى عليه السلام و ابي يزيد البسطامي الصوفي، فإن الحق قد نزل إلى صورة هذين- كما نزل إلى صور غيرهما من الموجودات التي لا تحصى- و كانت لهما القدرة على الخلق و قالا لمخلوقاتهما كوني فكانت. في هذه الحالة تكون نسبة الكلمة التكوينية إلى الصورة التي نزل إليها الحق نسبة حقيقية.
غير أننا إذا أضفنا الخلق إلى عيسى أو أبي يزيد أو أي كائن آخر يجب ألا ننسى أن الخالق في الحقيقة ليس هو صورة عيسى أو أبي يزيد أو غيرهما، و إنما هو النازل إلى تلك الصور- أي هو الروح الإلهي الساري في هذه الصور. ففي نسبة الخلق إلى المخلوقات ضرب من التجوز، كما أن في نسبة كلمة التكوين- من حيث هي كلمة- إلى الحق ضرباً من المجاز، و هي لا تنسب على الحقيقة إلا إلى واحد من المخلوقات لأنها من عالم الخلق.
(١٣)
|
«و إنا عينه فاعلم |
إذا ما قلت إنسانا» |
|
(١٣) كثرت في هذا البيت و في البيت الذي يليه الألفاظ المزدوجة المعنى فانبهم المراد و كثرت في تأويله الآراء. فكلمتا «عين» و «إنسان» إما أن يفهما بمعنى