فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٤٩ - الفص الثاني عشر
و بنى عليها نظرية معتقدة في معرفة العباد بالحق و مدى صحة هذه المعرفة في حالة كل منهم. قسم طالبي المعرفة بالحق ثلاثة أقسام: الأول أصحاب القلوب و هم الكاملون من الصوفية: و الثاني أصحاب العقول و هم الفلاسفة و المتكلمون:
و الثالث المؤمنون الذين يأخذون علمهم بالتقليد من أنبيائهم. أما أصحاب القلوب فيعرفون الحق بالشهود و الذوق، و يرونه في كل مجلى و يقرون به في كل صورة.
فهم يدورون مع الحق أينما دار، و يشاهدون وجهه (ذاته) في كل مشهد. أ لم يقل الحق في كتابه: «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ»؟ (قرآن س ٢ آية ١١٥).
و أما أصحاب العقول من الفلاسفة و المتكلمين فهم أهل الاعتقادات الخاصة الذين حصروا الحق في صور خاصة- و الحق يأبَى الحصر. و هؤلاء هم الذين «يكفر بعضهم ببعض و يلعن بعضهم بعضاً» من أجل ما وهموا أن الحق في هذا المعتقَد أو ذاك أو في هذه الصورة العقلية أو تلك. و ليس لهؤلاء القوم شهود للحق في قلوبهم، و إن كانت له صور معقولة مجردة في عقولهم.
و أما المقلدون الذين قلدوا الأنبياء و الرسل فيما أخبروا به عن الحق- و هم المشار إليهم بقوله: «أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ» فلهم في الحق أيضاً اعتقادات خاصة و صور معينة، و لكنهم أصحاب شهود- بدليل قوله: «وَ هُوَ شَهِيدٌ» لأنهم يشاهدون الحق بنوع ما في صلواتهم و أدعيتهم و يمثلونه بين أيديهم اتباعاً لأمر النبي صلى اللَّه عليه و سلم في قوله: «أعبد اللَّه كأنك تراه»: أي تصوره على نحو ما في قبلتك و أنت تعبده حتى لكأنك تراه. و ليس هذا شهود قلب كشهود العارفين من الصوفية و إنما هو شهود خيال.
(١١) «وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ - في هويته- ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ».
(١١) أشار فيما سبق إلى الحديث القائل إن اللَّه يتجلى لعباده يوم القيامة في صورة فينكرونه و يستعيذون منه، و في صورة أخرى فيعرفونه و يسجدون له، و قال