فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٤٨ - الفص الثاني عشر
الوجود؟ و المراد بالطرفين اللذين لا نهاية لهما هو «العلم بالحق» و الحق نفسه من حيث ما هو معلوم. و لا نهائية المعلوم تفضي حتماً إلى لا نهائية العلم.
(٩)
|
«و ما يعرف ما قلنا |
سوى عبد له همَّه» |
|
(٩) أي لا يعرف حقيقة الوجود و أنه واحد على الرغم من كثرته، و عامٌّ على الرغم من تخصصه، و نور كله على الرغم من وجود الظلمة فيه، إلا عبد وهبه اللَّه تلك القوة الخفية الغامضة التي يسميها الصوفية بالهمة. و قد سبق أن شرحنا ناحية هامة من نواحي هذه القوة في التعليق الثامن على الفص السادس، و هي وظيفة همة العارف في الخلق و تسخير الأشياء. أما هنا فيشير ابن عربي إلى ناحية أخرى في الهمة، و هي وظيفتها كأداة لتحصيل المعرفة بالأمور التي يعجز العقل عن إدراكها. فهي من هذا الوجه مرادفة للذوق الصوفي.
و معنى الهمة توجه القلب و قصده بجميع قواه الروحانية إلى فعل أمر من الأمور أو كشف حقيقة من الحقائق: فهي عند الصوفية وسيلة من وسائل التصرف و طريق من طرق المعرفة في آن واحد. فهي القوة التي تنفعل لها أجرام العالم إذا أقيمت النفوس في مقام الجمعية (الفص السادس عشر)، و هي القوة التي تخترق الحجب الكثيفة التي يسد لها العقل على الحقائق و تدرك كنه هذه الحقائق ذوقاً. و حقيقة الحقائق كلها عند ابن عربي هي وحدة الوجود. فالقلب وحده- عن طريق هذه القوة هو الذي يدرك الحقيقة الوجودية في وحدتها. أما العقل فمقضيّ عليه بالعجز و القصور في هذا الميدان، لأنه لا يستطيع التحرر أبداً من عبوديته لمنهجه و هو منهج تحليل «الكل» إلى أجزائه.
(١٠) «إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ»، (قرآن س ٥٠ آية ٣٦) إلى قوله فإن الرسل لا يتبرأون من أتباعهم الذي اتبعوهم».
(١٠) فسر هذه الآية تفسيراً باطنياً خاصاً- كعادته- أخرجها به عن معناها