فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٤٧ - الفص الثاني عشر
الحق المخلوق في المعتقدات في هذه الصورة، بينما يشهده غيره في صورة خاصة و لا يراه إلا فيها: و هؤلاء هم أصحاب الاعتقادات الخاصة.
و في هذه العبارة اعتراف صريح من ابن عربي بأن «الحق» في ذاته ليس مشهوداً لأحد في هذه الدنيا، و إنكار صريح على الصوفية الذين يدّعون أنهم يشاهدون «الحق» في حال وجدهم و فنائهم. فليس الحق- في نظره- مشهوداً لأحد من حيث ذاته المقدسة المنزهة عن جميع النسب و الإضافات و كل ما يتصل بالوجود الخارجي. و ليس الحق مشهوداً لأحد من حيث إنه ذات موصوفة بالصفات و الأسماء، إلا عن طريق المجالي و المظاهر الوجودية التي يتألف منها العالم. و لكن «الحق» مشهود في كل قلب- و في قلب العارف بوجه خاص في صور معتقدات صاحب هذا القلب.
فإن عبَّرنا عن هذه المسألة بلغة التجليات كما يعبر عنها هو أحياناً، نقول إن تجلي الحق في ذاته غير مشهود لأحد، و كذلك تجليه في الحضرة العلمية في أسمائه و صفاته، و لكنه مشهود في تجليه في صور الإله المخلوق في المعتقدات.
(٨) «فالأمر لا يتناهى من الطرفين».
(٨) المعرفة الحقيقية بالحق هو أنك لا تقيده في صورة خاصة فتقر به و تنكر ما عداها، بل تطلقه إطلاقاً في جميع الصور الوجودية على السواء- أو في جميع صور الاعتقادات على السواء و صور الوجود لا تتناهى فمعرفتك بالحق لا تتناهى.
و لذلك قال: «و كذلك العلم باللَّه ما له غاية في العارف يقف عندها. و كيف يقف العلم باللَّه عند غاية، و العلم به مستمد من العلم بمظاهر الوجود المتغيرة المتبدلة في كل آن من الآنات، و الخلق الجديد[١] الذي هو تحول الحق في الصور هو قانون
[١] يشير ابن عربي في مثل هذا المقام إلى قوله تعالى:« بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ»( قرآن س ٥٠ آية ١٤) و يشرح الخلق الجديد بهذا المعنى. و قد عالج هذه المسألة في الفص السادس عشر.