فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٤٦ - الفص الثاني عشر
قولهم: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ»^ لأنهم قصدوا أنه عيسى ابن مريم دون غيره.
و في تجلي الغيب يحصل الاستعداد الذي يكون عليه قلب العارف. و قد ذهب جمهور الصوفية إلى أن الحق يتجلى لقلب كل عبد بحسب استعداد ذلك القلب، و لكن ابن عربي يخالفهم في هذا الرأي و يذهب إلى أن قلب العارف يتلون في كل لحظة بلون الصورة التي يتجلى له الحق فيها، فهو هيولي الصورة أو الاعتقاد كما أشرنا. و لهذا قال: «فإن العبد- و يقصد به العارف خاصة- يظهر للحق: و المراد يظهر قلبه للحق: على قدر الصورة التي يتجلى له فيها الحق». و قد شرح هذا المعنى من قبل في قوله: «فإن القلب من العارف أو الإنسان الكامل بمنزلة محل فص الخاتم من الخاتم لا يفضل: بل يكون على قدره و شكله». فكأن المسألة إذن ليست مسألة استعداد للقلب يحصل تجلي الحق بمقتضاه، فيراه القلب على هذا النحو أو ذلك و يدركه في هذه الصورة أو تلك، بل المسألة مسألة مرآة تنعكس عليها صور جميع الموجودات فيدركها قلب العارف على أنها صور للحق و يتشكل بشكلها و يتلون بلونها و يضيق و يتسع بضيقها و سعتها، لأن القلب من هذه الصور كفصّ الخاتم من الخاتم. على أن هذا لا يمنعنا من أن نسمي قدرة القلب على قبول جميع صور التجلي الإلهي استعداداً أيضاً و أن قلب العارف قد قدّر له ذلك في عالم الغيب كما قدر لغيره ألا يدرك من صور التجلي إلا صورة واحدة. و لكن الأولى أن نقول إن تفسير الصوفية لتجلي الحق في قلب العبد تفسير صوفي، و تفسير ابن عربي تفسير فلسفي متأثر بمذهبه في وحدة الوجود.
(٧) «فلا يشهد القلب و لا العين أبداً إلا صورة معتقده في الحق».
(٧) بعد أن شرح معنى احتواء قلب العارف للحق و مشاهدته له، أراد أن يفسر ذلك «الحق» المشهود، فقال إنه صورة معتقد العارف. فالعارف يشهد جميع صور المعتقدات لأنه لا يتقيد بصورة دون أخرى، و إن شئت فقل أنه يشهد