فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٤٥ - الفص الثاني عشر
الكونية متعارضة متناقضة فلا بد من وقوع التعارض و التناقض في نِسَبِها إلى الذات. فالحق موصوف بصفات متضادة كالأول و الآخر و الظاهر و الباطن و الجميل و الجليل، و هو- في مذهب ابن عربي- موصوف أيضاً بصفات المحدثات لأنه هو الظاهر في صورها الكثيرة المتباينة. ففي هذه الحضرة فقط و في هذا المقام وحده، و هو مقام الكثرة (لا مقام الوحدة الذي هو حضرة الذات) وصف الحق نفسه بالشفقة على عباده و برحمته إياهم، فإن شفقته و رحمته يتجليان في منح الوجود للكثرة الوجودية التي هي العالم. و لهذا قال: «فلما تعارض الأمر بحكم النسب»: أي فلما وقعت المعارضة في الذات الإلهية من أجل نسبها إلى الكثرة الوجودية، خلق اللَّه العالم. و خلق العالم هو عين شفقته به.
(٦) «فلا يزال «هو» له دائماً أبداً».
(٦) ذكر في الفقرة السابقة أن للحق تجليين: تجلي غيب و تجلي شهادة. فتجليه في الغيب هو تجليه لذاته في ذاته في الصور المعقولة لأعيان الممكنات و هذه هي حضرة الأسماء و الفيض الأقدس الذي شرحناه في الفص الأول. و تجليه في الشهادة هو ظهوره في صور أعيان الممكنات في العالم الخارجي، و هو الفيض المقدّس المشار إليه هنالك. فالتجليان هما هذان الفيضان أو الحضرتان المتقابلتان و هما أيضاً المرموز إليهما بالاسمين الإلهيين: الأول و الآخر أو الباطن و الظاهر: عالم الغيب و عالم الشهادة. و لما كان الضمير «هو» يشير إلى المفرد التائب كان رمزاً على عالم الغيب، و وجب إطلاقه على الحق في تجليه الأول وحده، و لهذا قال: «فلا يزال «هو» له (أي للحق) دائماً أبداً. و لا يطلق «هو» على عالم الشهادة لأنه كثرة مظهرية لا ذات واحدة، كما أنه لا يقال على أي موجود من الموجودات إنه هو الحق. و لهذا كفَّر ابن عربي النصارى في