فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٤٤ - الفص الثاني عشر
و يسبّح بحمده: و لكن بمعان خاصة وضعها لهذه الألفاظ، و قد سبق شرح بعضها. و هو معبود و مقدّس و مسبّح بحمده من حيث إنه «الكل»، و الذي يعبده و يقدسه و يسبح بحمده هي أفراد الموجودات أو صورها. فالألوهية و المألوهية، و إن لم يكن لهما المعنى الديني الخاص الذي نعرفه، ليسا خلواً من معنى فلسفي له قيمته و خطره في مذهبه. على أنه قد يُشْرِب ذلك المعنى الفلسفي أحياناً روحاً دينية عالية و يبث فيه عاطفة دينية قوية لا تقلّ في قوتها و لا في حرارتها عن عاطفة أي رجل ديني. فالعبد- مع أنه وجه من وجوه الحق و مجلى من مجاليه- لم يزل مفتقراً إلى الحق الذي هو أصله- مستمداً وجوده من وجوده، لا قيمة و لا وجود له في ذاته. و أي افتقار أعظم من افتقار الصورة- و هي في ذاتها عدم محض- إلى من يقومها و يوجدها؟
فشأن ابن عربي في هذا الصدد شأن «اسبنورا»: لم يخْفُتْ في قلبه صوت العاطفة الدينية، و إن قضى عقله على كل معنى من المعاني التي تحملها ألفاظ الدين- أعني دين المذاهب و النحل و هو الدين بمعناه الضيق. أما دينه فهو الدين العالمي الواسع الذي وجد أصوله و مبرراته في رحبة وحدة الوجود.
على أن الألوهية و الربوبية من جهة أخرى مفتقرتان إلى المألوهين و المربوبين، و لا بد من ذلك لكي ينعكس كل من المتضايفين على الآخر تمام الانعكاس و يتكافآ وجوداً و عدماً. فإذا قلنا إن الحق غني عن العالمين، كان المراد بذلك الذات الإلهية التي لا نسبة لها مطلقاً إلى الوجود من حيث هي، لا الحق الذي هو إله و رب.
(٥) «فلما تعارض الأمر بحكم النسب ورد في الخبر ما وصف الحق به نفسه من الشفقة على عباده».
(٥) لا تعارض و لا تناقض في الذات الإلهية من حيث ما هي عليه في نفسها، و لكن التعارض و التناقض حاصلان فيها من حيث الأسماء الإلهية و الصفات التي هي نسب و إضافات بين الذات الواحدة و مظاهرها الكونية الكثيرة. و المظاهر