فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٤٣ - الفص الثاني عشر
(٤) هذا بيان لسبب وجود العالم و ظهوره بالصورة التي هو عليها. و ذلك أن الأسماء الإلهية التي هي عين مسمى الحق تطلب ما تعطيه للوجود من الحقائق:
أي تطلب مظهراً خارجياً تحقِّق و تظهر فيه كمالاتها. و ليس ذلك المظهر إلا العالم.
فلا بدّ إذن من هذا الظهور و لا بدّ من وجود العالم، و إلا لم يكن للأسماء الإلهية معنى. و الطلب هنا- في قوله: «طالبة ما تعطيه من الحقائق» إشارة إلى ضرورة عقلية هي ضرورة وجود أحد المتضايفين إذا وجد الآخر. فالأسماء الإلهية تطلب- أي تطلب عقلًا ما يحقق معانيها و هذه هي متضايفاتها: فإنه لا معنى لوصف الحق بأنه عالم إلا إذا وجد المعلوم، و لا معنى لوصفه بالألوهية إلا إذا وجد المألوه، و لا بالربوبية إلا إذا وجد المربوب و هكذا.
و في الأسماء الإلهية طائفتان متمايزتان مختلفتان: إحداهما الأسماء التي يتصف بها الحق من حيث كونه إلهاً- أي معبوداً- و من هذه تتكوّن الألوهية.
و الأخرى الأسماء التي يتصف بها الحق من حيث كونه مدبِّراً للوجود و متصرفاً فيه: و منها تتكون الربوبية. فمن حيث ألوهية الحق يُعْبَد و يُخَاف و يقدّس و يسبّح بحمده و يدعَى و يُتَضرّع إليه إلى غير ذلك من الأفعال التي يقوم بها المألوهون إزاء إلههم. و من حيث كونه رباً يرزق الخلق و يدبّر الكون و يجيب المضطر إذا دعاه، و غير ذلك مما يقوم به الرب نحو المربوبين. فالألوهية إذن تطلب المألوهين، و الربوبية تطلب المربوبين، و لا وجود لإحداهما- بل و لا تقدير لوجود إحداهما إلا بوجود أو تقدير وجود ما يضايفها. و قد صرح ابن عربي بهذا المعنى في موضع آخر من الفصوص بقوله: «فنحن بمألوهيتنا قد جعلناه إلهاً».
هذا كلام يقضي به منطق العقل و منطق أي مذهب من مذاهب الدين، و لكن ما معناه و ما قيمته في مذهب ابن عربي و هو يقول بوحدة الوجود: أي بوحدة الإله و المألوه و الرب و المربوب؟ لا يزال إله ابن عربي يُعْبَد و يقدّس