فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٢٦ - الفص العاشر
بمعنى أنه لا يحب أن ينكشف السر الذي بينه و بين عبده. و يرى الآخرون أنه غيور يمنع أن يحبَّ أو يعبد، إلى غير ذلك من المعاني. و يستندون في نسبة هذه الصفة إلى اللَّه حديث يروونه عن النبي و هو قوله عليه السلام: «إن سعداً لغيور و أنا أغير منه و اللَّه أغير منا». و لكن الغيرة التي يتكلم عنها ابن عربي شي ء آخر لم يسبق لأحد من الصوفية أن ذكره: فهو في الوقت الذي يستعمل الكلمة فيه في معناها العادي و هو دفع منافسة الغير في أمر محبوب، يقول إنها مرادفة لكلمة الغير أو الغيرية!.
ثم يأتي فيفسر كلمة الفواحش بأنها الأمور التي ظهرت و كان الأوْلى إخفاؤها.
و يقسّم الفواحش قسمين: ما ظهر منها و هي الأمور التي تدرك بالحس في العالم الخارجي: و ما بطن- و هو الذات الإلهية: و فحشها (أي ظهورها) واضح لمن ظهرت له: أي واضح لمن عرف أنها الظاهرة في أعيان الممكنات.
بعد هذه الألاعيب اللفظية التي لا يقره عليها لغة و لا عُرْف، يمهد ابن عربي الطريق لشرح نظريته في وحدة الوجود. فكأنه يريد أن يقول إن الحق غيور لا يريد أن يطلع المحجوبون من غير أهل الكشف على سر قدره و هو ظهوره في أعيان الممكنات، و لذا حرّم الفواحش أي الأمور الظاهرة: أي و لذا حرّم اعتبار الأعيان الظاهرة موجودات لها وجود مستقل عن وجوده. و هذا نوع من الغيرة و الغيرة ساترة للحقيقة لأنها من الغير و الغير أنت- أي الوجود الظاهر المعبر عنه بالخلق.
(١٠) «و ما رأينا قط من عند اللَّه في حقه تعالى في آية أنزلها أو إخبار عنه أوصله إلينا فيما يرجع إليه إلا بالتحديد تنزيهاً كان أو غير تنزيه».
(١٠) يرى المتكلمون أن في القرآن و الحديث ما يدل صراحة على تنزيه اللَّه أحياناً، و فيهما ما يشعر بالتشبيه أحياناً أخرى. و لكنهم اختلفوا في معنى التشبيه و كيفيته. أما ابن عربي فيرى أن كل ما ورد في وصف اللَّه فيه معنى التحديد سواء أريد به التشبيه أو التنزيه. إذ مجرد الوصف تحديد للموصوف. فوصف اللَّه