فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٢٥ - الفص العاشر
(٨) تشير العبارة المذكورة إلى قوله تعالى: «يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ» (س ٢٤ آية ٢٤). و يجمع معظم شرّاح الفصوص على أن المؤلف يشير هنا إلى نوعين من الحياة: الحياة الفائضة من الحق مباشرة على جميع الممكنات ما وصف منها عادة بالحياة و ما لم يوصف، و الحياة المتعينة في كل كائن على حدة و هي نفسه التي تدبر بدنه و تبدو أنها تختفي بفناء البدن.
و هذه الأخيرة متصلة بالبدن مفتقرة إليه في تدبيرها له، و تفنى- من حيث هي مدبّرة له- بفنائه. و لكن الأولى لا تفنى أبداً و لا تنقطع لأنها سارية في جميع الموجودات، موجودة حيثما توجد ذات الحق.
فالذي أفنته الريح من قوم عاد إنما هو حياتهم أو نفوسهم المدبرة لأجسامهم، و لكنهم بقوا بالحياة الأخرى الخاصة بهم الناشئة من تجلي الحق سبحانه عليهم بالاسم الحي الساري في كل شي ء. و هذا معنى قوله: «و بقيت على هياكلهم الحياة الخاصة بهم من الحق». و هذه الحياة الخاصة هي التي تنطق بها الجلود و الأيدي و الأرجل إلخ .. يوم القيامة.
أما إذا اعتبرنا هلاك قوم عاد بالريح التي أرسلها اللَّه عليهم رمزاً لفناء الإنسان في اللَّه و تحققه بوحدته الذاتية معه، و إشارة إلى زوال ما يتخيل العبد أنه حجاب حقيقي بينه و بين ربه، فإن «مساكنهم» الواردة في قوله تعالى:
«فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ» تصبح أيضاً رمزاً على الصورة الانسانية و ما فيها من جسم و روح لا وجود لهما في ذاتهما. فلما زالوا من الوجود بقي الحق الذي هو عينهم. و كذلك العارف إذا فني بصورته- أي إذا تحقق أنه لا وجود له في ذاته- بقي بالحق.
(٩) «و من غيرته «حرم الفواحش»: و ليس الفحش إلا ما ظهر، و أما فحش ما بطن فهو لمن ظهر له».
(٩) يصف الصوفية اللَّه سبحانه بالغيرة على أنحاء شتى: فيرى بعضهم أنه غيور