فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٠٣ - الفص الثامن
أما هنا فتعالج هذه المسألة مرة أخرى، و لكن من وجهة نظر الأديان- أي من ناحية تكليف العبد و حكم اللَّه على أفعاله.
يقول: للحق وجهان في الحكم على أحوال و أعمال المكلفين: الوجه الأول الحكم عليها من ناحية الإرادة الإلهية، و الوجه الثاني الحكم عليها من ناحية الأمر الإلهي. و الأول هو الحكم الإرادي و الثاني الحكم التكليفي. فاللَّه يأمر العبد بأن يفعل كيت و كيت أو ينهاه عن فعل كيت و كيت، و يريد في الوقت نفسه أن هذه الأوامر و النواهي يطيعها بعض الناس و يعصاها البعض الآخر. و لا غضاضة في مذهب ابن عربي أن نقول إن اللَّه يريد وقوع المعصية: ذلك لأن الإرادة الإلهية تتعلق بالفعل بحسب ما يقتضيه علم الحق بذلك الفعل و فاعله، و يتعلق علم الحق بالفاعل بحسب ما يعطيه المعلوم من ذاته. فاللَّه لا يعلم إلا ما هو واقع لا محالة، و هو لا يريد إلا ما يعلم.
بهذا المعنى يقول ابن عربي إن كل إنسان يطيع الإرادة الإلهية لأنه لا يفعل من الأشياء إلا ما كان متفقاً مع الإرادة الإلهية. و كان الأوْلى به أن يقول إن الإرادة الإلهية تطيع أفعال العباد و تخضع لها، لأن اللَّه لا يريد فعلا- طاعة كان أو معصية- إلا إذا كان ذلك الفعل متحقق الوقوع، و كان مما تقضي به طبيعة الفاعل ذاتها.
و لكن ليس كل إنسان يطيع الأمر الإلهي الذي هو الأمر التكليفي: فإن أتى فعل العبد مطابقاً لما أُمر به أو نهي عنه سمي ذلك منه طاعة، و إن خالف ما أُمر به أو نُهي عنه سمي معصية. و على ذلك كان كفر فرعون و معاصي العباد جميعاً في اتفاق تام مع ما أراده اللَّه و ما علمه أزلا، لا يختلفون في ذلك مطلقاً عمن أتت أفعالهم موافقة لأوامر الدين.
و خلاصة القول أن أفعال العباد لا توصف في ذاتها بأنها طاعة أو معصية:
خير أو شر، بل هي أفعال تقضي بها طبيعة الوجود: و إنما تدخل في دائرة تلك الأحكام لسبب عارض و هو تطبيق المعايير الدينية أو الأخلاقية عليها.