شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٩٢ - الفصل الرابع في التوبيخ على المعصيّة من غير سبب،و الأمر بالتعصّب في محلّه
في معرض التوبيخ لهم على تعصّبهم الباطل الّذي تثور به الفتن مع أنّه ليس لأمر يعرف من وجه المنفعة و المصلحة الحاملة عليه.و لفظ إلاّ يقتضى حصر وجدانه لمن يتعصّب لشيء في وجدانه له متعصّبا عن علّة تحتمل تشبيه الأمر على أهل الجهل بحيث يظنّ سببا صحيحا للتعصّب أو عن حجّة ملتصق بعقول السفهاء فيقبلها،و هذا هو مقتضى العقل.إذ كان الترجيح من غير مرجّح محال في بداية العقول.و تقدير الكلام:فما وجدت أحدا يتعصّب إلاّ وجدته يتعصّب عن علّة.
[و قوله:غيركم.]
و قوله:غيركم.
استثناء من معنى الإثبات في الجملة المفيدة للحصر كأنّه قال:وجدت كلّ أحد يتعصّب عن علّة إلاّ أنتم.
[و قوله:تتعصّبون لأمر ما يعرف له سبب و لا علّة.]
و قوله:تتعصّبون لأمر ما يعرف له سبب و لا علّة.
أي سبب يحتمل التموية على الجهلاء و علّة ملتصق بعقول السفهاء و لم يرد نفى مطلق السبب.إذ سبب تعصّبهم و ثوران الفتنة بينهم هو الاعتزاء الّذي كان بينهم و كان يقع من جهّالهم كما ذكرناه في سبب الخطبة لكنّه ترك الوصف هنا لتقدّمه .
ثمّ أخذ في تفصيل وجوه العصبيّة و أسبابها فبدء بذكر مبدء العصبيّة لإبليس.و سبب عصبيّته لأصله اعتقاده لطف جوهره و شرفه.إذا لنار أشرف من الطين مع جهله بسرّ البشريّة و وضع آدم على هذه الخلقة و خلقته الّتي وضع عليها خلقه فلذلك فضّل نفسه قياسا للفرع على الأصل في الشرف و الخسّة فقال:أنا نارىّ و أنت طينىّ.و لذلك قيل:إنّ أوّل من قاس إبليس.ثمّ بعصبيّة الأغنياء و الجهّال من مترفة الامم لكونهم تلامذه إبليس في العصبيّة،و أشار إلى علّة تعصّبهم و هى آثار مواقع النعم،و مواقعها هى الأموال و الأولاد و سائر ما ينتفع به كما قال تعالى حكاية عنهم «نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوٰالاً وَ أَوْلاٰداً» ١و آثار تلك المواقع هى الغنى و الترفّه بها و التنعّم و الالتذاذ،و كان تعصّبهم لذلك و فخرهم به.و يجب أن يعلم أنّ الأموال و الأولاد أنفسها ليست نعما مطلقا لأنّ النعمة من الامور الإضافيّة
١) ٣٤-٣٤.