شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٧٩ - كلامه عليه السّلام عند تلاوة(يا أيّها الإنسان ما غرّك بربّك الكريم)
مقابلتك له بالإعراض عنه و الإقبال على معاصيه وصف مثلين من الناس في القوّة و القدرة و المنزلة و كنت أنت المسيء منهما لكان فيما ينبغي لك من الحياء و الأنفة أن تكون أوّل حاكم على نفسك بتقصيرها و ذميم أخلاقها و مقابح أعمالها.و هو صورة احتجاج يقرّر عليه مساوى أعماله و يجذبه بذلك إلى تبديلها بمحاسنها في قياس ضمير من الشكل الأوّل ذكر في الكلام صغراه.تلخيصها:أنّك أوّل حاكم على نفسك بتقصيرها على تقدير أن يكون موليك هذه النعم مثلا لك،و تقدير الكبرى و كلّ من كان كذلك فأولى به أن يكون أوّل حاكم عليها بتقصيرها على تقدير أن يكون موليه تلك النعم خالقه و مالك رقّه،و ينتج أنّ الأولى بك أن يكون أوّل حاكم على نفسك بتقصيرها على تقدير أن يكون مولى تلك النعم خالقك و مالك رقّك.
مجاز و قوله : و حقّا أقول:ما الدنيا غرّتك و لكن بها اغتررت .
تقدير منع لما عساه أن يجيب به الناس سؤاله تعالى إيّاهم بقوله: «مٰا غَرَّكَ بِرَبِّكَ» ،و هو كثير في كلامهم:إنّ الدنيا هى الغارّة،و كما نسب القرآن الكريم إليها ذلك بقوله «وَ غَرَّتْهُمُ الْحَيٰاةُ الدُّنْيٰا» و كلامه عليه السّلام حقّ من وجهين:أحدهما:
أنّ الاستغرار من لواحق العقل و ليست الدنيا لها العقل،و الثاني:أنّها لم تخلق لأنّ يستغرّ بها.إذ كان مقصد العناية الإلهيّة بوجود الإنسان فيها فلا يجوز أن ينسب إليها الاستغرار حقيقة لكن لمّا كانت سببا ماديّا للاغترار بها جاز أن ينسب إليها الاستغرار مجازا ،و صدق قوله أيضا:و لكن بها اغتررت.
و قوله:و لقد كاشفتك العظات.
تقرير لمنع نسبة الاستغرار إليها بنسبة ضدّه إليها و هو النصيحة له بما كاشفته بالمواعظ و هى محالّ الاتّعاظ من تصاريفها و عبرها،و بمجاهرتها و إعلامها على عدل منها.إذ خلقت لذلك التغيير و الإعلام و على ذلك التصريف و لم يمكن أن يكون إلاّ كذلك فلم يكن تصاريفها بك جورا عليك.
و قوله:و لهى بما تعدك.إلى قوله:تغرّك.