شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٤٧ - ما أجاب عليه السّلام بمن أكثر عليه الثناء
ذلك حيث رأيتنى اجاهد في اللّه و أحثّ الناس على ذلك،و من عادة الناس أن يستحلوا الثناء عند أن يبلوا بلاء حسنا في جهاد أو غيره من ساير الطاعات.ثمّ أجاب عن هذا العذر في نفسه بقوله:فلا تثنوا علىّ بجميل ثناء،إلى قوله:من إمضائها، و أراد فلا تثنوا علىّ لأجل ما ترونه منّى من طاعة اللّه فإنّ ذلك إنّما هو إخراج لنفسى إلى اللّه من الحقوق الباقية علىّ لم أفرغ بعد من أدائها و هى حقوق نعمه،و من فرائضه الّتي لا بدّ من المضى فيها،و كذلك إليكم من الحقوق الّتي أوجبها اللّه علىّ لكم من النصيحة في الدين و الارشاد إلى الطريق الأقصد و التعليم لكيفيّة سلوكه،و في خطّ الرضى-رحمه اللّه-من التقيّة بالتاء،و المعنى فإنّ الّذي أفعله من طاعة اللّه إنّما هو إخراج لنفسى إلى اللّه و إليكم من تقيّة الحقّ فيما يجب علىّ من الحقوق إذ كان عليه السّلام إنّما يعبد اللّه للّه غير ملتفت في شيء من عبادته و أداء واجب حقّه إلى أحد سواء خوفا منه أو رغبة إليه،و كأنّه قال:لم أفعل شيئا إلاّ و هو ذا حقّ وجب علىّ و إذا كان كذلك فكيف أستحقّ أن يثنى علىّ لأجله بثناء جميل و اقابل بهذا التعظيم،و هو من باب التواضع للّه و تعليم كيفيّته و كسر النفس عن محبّة الباطل و الميل إليه.
و قوله :فلا تكلّمونى.إلى قوله:بعدل.
إرشاد لهم إلى ما ينبغي أن يكونوا عليه من السيرة عنده و نهاهم من امور:
(ا)أن لا يكلّموه بكلام الجبابرة لما فيه من إغراء النفس،و لأنّه عليه السّلام ليس بجبّار فيكون ذلك منهم وصفا للشيء في غير موضعه.
(ب)أن لا يتحفّظوا منه بما يتحفّظ به عند أهل البادرة و سرعة الغضب من الملوك و غيرهم،و ذلك التحفّظ كتكلّف ترك المساورة و الحديث إجلالا و خوفا منه أو كترك مشاورته أو إعلامه ببعض الامور أو كالقيام بين يديه فإنّ ذلك التحفّظ قد يفوت به مصالح كثيرة،و لأنّه ممّا يغرى النفس بحبّ الفخر و العجب،و لأنّه وضع للشيء في غير موضعه.
(ج)أن لا تخالطوه بالمصانعة و النفاق لما فيه من فساد الدين و الدنيا.