شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٦٥ - كتابه عليه السّلام إلى معاوية
أى طيب العيش. استعارة و استعار لفظ الأحلاس لإلزامهم الخوف و إشعارهم إيّاه ملاحظة لمشابهته بالحلس في لزومه بهم . استعارة مرشحة و كذلك استعار لفظ النار للحرب.ملاحظة لشبهها بالنار في الأذى و افتناء ما يقع فيها.و رشّح بذكر الايقاد .
فأمّا قوله:و اضطرّونا إلى جبل و عر،و قوله:و كتبوا علينا بينهم كتابا.
فروى أنّه لما أسلم حمزة و عمر و حمى النجّاشي من عنده من المسلمين و حامى أبو طالب عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فشا الإسلام في القبايل فاجتهد المشركون في إطفاء نور اللّه و اجتمعت قريش و أتمر بينهم أن يكتبوا كتابا يتعاهدون فيه أن لا ينكحوا إلى بنى هاشم و بنى عبد المطّلب و لا ينكحوهم،و لا يبيعوهم شيئا و لا يتبايعوا منهم فكتبوا بذلك وثيقة و توافقوا عليها و علّقوها في جوف الكعبة توكيدا لذلك الأمر على أنفسهم فلمّا فعلوا ذلك انحازت بنى هاشم و بنو عبد المطّلب إلى أبي طالب فدخلوا معه في شعبه.و خرج من بنى هاشم أبو لهب و ظاهر المشركين.و قطعوا عنهم الميرة و المارّة،و حصروهم في ذلك الشعب في أوّل سنة سبع من النبوّة فكانوا لا يخرجون إلاّ من موسم إلى موسم حتّى بلغهم الجهد و سمع صوت صبيانهم من وراء الشعب من شدّة الجوع فمن قريش من سرّه ذلك و منهم من ساءه فأقاموا على ذلك ثلاث سنين حتّى أوحى اللّه إلى رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّ الأرضة قد أكلت صحيفتهم و محت منها ما كان فيه ظلم و جور و بقى منها ما كان ذكر اللّه.فأخبر بذلك عمّه أبا طالب فأمره أن يأتي قريشا فيعلمها بذلك فجاء إليهم،و قال:إنّ ابن أخى أخبرنى بكذا و كذا فإن كان صادقا نزعتم عن سوء رأيكم و إن كان كاذبا دفعته إليكم فقتلتموه أو استحييتموه.فقالوا:قد أنصفتنا.فأرسلوا إلى الصحيفة فوجدوها كما أخبر صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فسقط في أيديهم و عرفوا أنّهم بالظلم و القطيعة.فذلك معنى قوله:و اضطرّونا إلى جبل و عر.إلى آخره.
و قوله :فعزم اللّه لنا.
أى أراد لنا الإرادة الجازمة منه،و اختار لنا أن نذبّ عن حوزة الإسلام و نحمى حرمته أن تتهتّك، كناية و كنّى عن حماها بالرمى من ورائها .