شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٧٥ - الفصل الثالث شرح ما لزم الامم الماضية بالكبر و اختبار اللّه عباده ببيته الحرام
الموعودة ما هو أشرف و أعلى من هذه الكمالات الحسيّة الفانية،و اعلم أنّ الوصول إلى تلك الكمالات لا يتمّ و لا يتحقّق إلاّ بالإعراض عن هذه فرفض به ما هو أخسّ في جنب ما هو أشرف و لذلك قام صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في العبادة حتّى تورّمت قدماه.
فقيل له:يا رسول اللّه أليس قد بشّرك اللّه بالجنّة فلم تفعل ذلك؟قال:أفلا أكون عبدا شكورا.و ذلك لعلمه أنّ الاستعداد بالشكر يفيد كمالا أعلى و أزيد ممّا اوتى.
و إذا كان حال أشرف الأنبياء و أكملهم كذلك فما ظنّك بسايرهم؟و حينئذ تعلم أنّ تركهم للدنيا و عدم اشتغالهم بها شرط في بلوغهم درجات الوحى و الرسالة و تلقّى أخبار السماء،و أنّهم لو خلقوا منغمسين في الدنيا و فتحت عليهم أبوابها فاشتغلوا بقيناتها لا نقطعوا إليها عن حضرة جلال اللّه و اضمحلّ بسبب ذلك عنهم الأنباء و انقطع عنهم الوحى و انحطّوا عن مراتب الرسالة،و قال بعض الشارحين:أراد باضمحلال الأنباء سقوط الوعد و الوعيد و الإخبار عن أحوال الجنّة و النار و أحوال القيامة.و هو لازم من لوازم سقوط النبوّة فيكون راجعا إلى ما قلناه.
الرابع:و لكان لا يجب للقابلين اجور المبتلين:أى لقابلى كلام الأنبياء لأنّه إذا سقط البلاء عنهم لم يكن لهم أجر المبتلين،و كذلك لا يجب لقابلى النبوّة منهم اجور المبتلين بالتكذيب و الأذى.
الخامس:و كان لا يستحقّ المؤمنون ثواب المحسنين إلى أنفسهم بمجاهدة الشيطان عنها و تطهيرها عن الرذائل و تحليتها بالفضائل،و ذلك لأنّ ايمانهم بهم يكون عن رغبة أو رهبة كما علمته لا عن حقيقة و إخلاص للّه.
السادس:و لا لزمت الأسماء معانيها.روى بنصب الأسماء على أن تكون هى المفعول و معانيها الفاعل،و المعنى أنّه لم تكن المعاني لازمة الأسماء فيمن سمّى بها،مثلا من سمّى مؤمنا لا يكون معنى الإيمان الحقّ لازما لاسمه فيه.إذ كان إيمانه بلسانه فقط عن رغبة أو رهبة،و كذلك من سمّى مسلما أو زاهدا بل من سمّى نبيّا أو رسولا لا يكون في الحقيقة كذلك لانقطاع النبوّة و الرسالة عنه، و في نسخة الرضىّ-رحمه اللّه-برفع الأسماء،و المراد أنّها كانت تنفكّ عنها