شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٥١ - الفصل الثاني منها في بيان ما كان لإبليس من كثرة الطاعة و إحباطها بكبر ساعة
كقوله تعالى «وَ يَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكٰانٍ بَعِيدٍ» ١و هو مصدر حذف فعله و سدّ مسدّ الحال.قال المفسّرون:و الغيب هنا بمعنى الظنّ.و فيه نظر لأنّ إطلاق لفظ الغيب على الظنّ مجاز و العدول عن الحقيقة إنّما يكون بعد تعذّر حمل اللفظ عليها و لا تعذّر هاهنا في ذلك لأنّ مفهوم الغيب هو ما غاب عن الخلق فلم يعلموه فكان القذف بكلّ ما لا يعلم و الحكم به قذفا بالغيب و حكما به.و لمّا كان إبليس لا يعلم ما حكم به بأنّه يفعله في الخلق من التزيين و الإغواء و هو بعيد عن علمه ثمّ حكم به كان حاكما بما هو غائب عن علمه و عازب عنه و هو معنى قذفه بالغيب البعيد.و في نسخة الرضىّ-رحمة اللّه عليه-بظنّ مصيب.و في أكثر النسخ غير مصيب و هو المناسب لقوله:بغيب بعيد.لأنّ ما يقال عن غيب بعيد قلّما يصيب ظنّه.
فإن قلت:فلم قال غير مصيب مع أنّ إبليس صدّق ظنّه في إغواء الناس و تمّ له ما ظنّ؟كما قال تعالى «وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ» ٢الآية.
قلت:الجواب عن وجوه:
أحدها:أنّه يريد بالظنّ المصيب العلم لأنّه المصيب الحقّ فكأنّه قال:بظنّ ليس بعلم.
الثاني:قال بعض الشارحين:إنّما كان غير مصيب لأنّه ظنّ أنّ إغوائهم يكون منه فقال:لاغوينّهم.و هذا ظنّ فاسد لأنّ إغواءهم كان منهم اختيارا لأنّهم اختاروا العمى على الهدى فغووا عن طريق اللّه .و تصديق أبناء الحميّة له في ذلك يعود إلى وقوع الغواية منهم وفق ظنّه لأنّه لمّا ظنّ أنّه يغويهم فقد ظنّ أنّ الغواية تلحقهم منه فصدّقوه في الغواية و أخطأ ظنّه في تسبّبها إليه.
الثالث:أنّ الكلام لمّا كان في معرض ذمّ إبليس و إغراء الخلق بعداوته وقف عليه السّلام في الآية على قوله:أجمعين.فيكون المعنى أنّ إبليس ظنّ أنّه يغوى جميع الخلق.
و أمّا استثنائه لعباد اللّه المخلصين فذاك ليس بحسب ظنّه بل تصديقا لقوله تعالى «إِنَّ»
١) ٣٤-٥٢.
٢) ٣٤-١٩.