شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٨٤ - خطبة له عليه السّلام يختصّ بذكر الملاحم
إشارة إلى علوّ درجتهم في الملأ الأعلى و إثبات أسمائهم و صفاتهم الفاضلة في ديوان الصدّيقين،و في الأرض مجهولون بين أهل الدنيا الّذين يرون أنّه ليس وراءها كمال.و من سيماء الصالحين بمجرى العادة القشف و الإعراض عن الدنيا و ذلك يستلزم قلّة مخالطة أهلها و مكاثرتهم و هو مستلزم لجهلهم بهم و عدم معرفتهم لهم .ثمّ شرع في التنبيه على الأحوال الرديئة المستقبلة المضادّة لمصالح العالم الّتي يجمعها سوء التدبّر و تفرّق الكلمة و هى إدبار ما أقبل من امورهم و انقطاع ما اتّصل من وصلهم و أسبابهم.و الوصل:جمع وصلة و هى الانتظامات الحاصلة لأسبابهم في المعاش و المعاد بوجود الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تدبيره.ثمّ استعمال صغارهم و أراد لهم فإنّه من جملة أسباب الفساد،و من أسباب صلاح العالم استعمال أهل الشرف و أكابر الناس على الأعمال،و من كلامه عليه السّلام في ذلك قوله لمالك الأشتر في عهده إليه يشير إلى العمّال:و توخّ منهم أهل التجربة و الحياء من أهل البيوتات الصالحة و القدم في الإسلام المتقدّمة فإنّهم أكرم أخلاقا و أصحّ أعراضا و أقلّ في المطامع إشرافا و أبلغ في عواقب الامور نظرا.و صغار الناس مظنّة أضداد الامور المذكورة و بسببها يكون خراب العالم و فساد نظامه .ثمّ أشار إلى أوقاتها و علامات وقوعها:
فمنها:حيث يكون ضربة السيف على المؤمن أهون و أقلّ عنده مشقّة من المشقّة الحاصلة في اكتساب درهم حلال.و ذلك لأنّ المكاسب حينئذ يكون قد اختلطت و غلب الحرام الحلال فيها،و أراد بقوله:من الدرهم:أى من كسب الدرهم فحذف المضاف.
و منها:حيث يكون المعطى أعظم أجرا من المعطى،و ذلك لأنّ أكثر من يعطى حينئذ و يتصدّق يكون ماله مشوبا بالحرام فيقلّ أجره،و لأنّ أكثرهم يعطى و يقصد بإعطائه الرئاء و السمعة أو لهوى نفسه أو لخطرة من خطرات وسواسه من غير خلوص للّه سبحانه في ذلك،و أمّا المعطى فقد يكون فقيرا مستحقّا للزكاة ذا عيال لا يلزمه أن يبحث عن أصل ما يعطاه فإذا أخذه