شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٧ - كلامه عليه السّلام حين دخل على العلاء بن زياد الحارثى
[اللغة]
أقول: استهام بك : أى أذهبك لوجهك،و زيّن لك الهيام،و هو الذهاب في التيه .و جشوبة المأكل : غلظته و خشونته،و قيل:الطعام الجشب:الّذي لا إدام معه .و تبيّغ : تهيّج .
[المعنى ]
و قد استفهمه عن غرضه في توسعة داره استفهام توبيخ و إنكار لما أنّ ذلك ينافي الزهد في الدنيا و الحرص في الآخرة.ثمّ عن كونه أحوج إليها في الآخرة استفهام تثبيت و تقرير،و أراد أنّك لو كنت أنفقت ما أخرجته على بنائها من المال في سبيل اللّه لكان أولى و لكنت إليه أحوج منها،و في رواية بإثبات الهمزة مع ما في قوله:ما أنت.
و قوله:و بلى.إلى آخره.
هداية له إلى وجوه استعمالها في مرضات اللّه و التقرّب بها إليه بعد التفريط في بنائها،و عدّ وجوه المبارّ المتعلّقة بها.و مطالع الحقوق وجوهها الشرعيّة المتعلّقة به كالزكاة و الصدقة و غيرهما،و ظاهر كونها مبلّغه إلى الآخرة عند إخراج تلك الحقوق منها و فيها،و مقرّ به إلى اللّه.
و قوله:علىّ به.
ينوب مناب فعل الأمر:أى جيئوا به،و عدىّ تصغير عدوّ،و أصله عديو و فحذفوا إحدى الواوين و قلّبوا الثانية ياء تخفيفا و ادغموا فيها ياء التصغير،و إنّما صغّره استصغارا له باعتبار أنّ شيطانه لم يعدّه إلى كبيرة بل قاده إلى أمرو إن كان خارجا به عن الشريعة إلاّ أنّه قريب من السلامة،و دخل عليه بالخدعة في رأى الصالحين،و كان شيطانه بذلك الاعتبار صغيرا بالنسبة إلى شيطان آخر و هو باعتبار القيادة لذلك الوسواس عدّى نفسه،و قيل:بل صغّره من جهة حقارة فعله ذلك لكونه عن جهل منه و إنّما منعه من هذه الطريقة لكونه لم يترك الدنيا على وجه الترك بل كان لمشاركة هواه لعقله،و كان تركه ذلك مستلزما لإهمال حقوق تجب عليه في الشريعة و تلزمه فنبّه بقوله:لقد استهام بك الخبيث على أنّ فعله ذلك عن مشاركة الشيطان و لم يكن عن عقليّة خالصة،و بقوله:
أما رحمت أهلك و ولدك على الحقوق اللازمة له من قبلهم،و قد أهملها بفعله ذلك.