شرح نهج البلاغة - القزويني الحائري، السيد محمد كاظم - الصفحة ٩٠ - المعنى
المعنى
هذه الخطبة الشريفة قد احتوت على المواعظ الكافية و النصائح الشافية ،
و الأمر باقتناء الفضائل و الاشتمال على المكارم ، و النهي عن الاخلاق الرذيلة ،
و تسلى الفقير و تأديب الغني ، فان اللّه تعالى خلق الخلق و جعل فيهم القوي و الغرائز و الطبائع التي تربو و تنمو بنموّ الانسان ، و لا تفارقه الا حين الموت .
فمن تلك الطبائع : الشهوة ، الغضب ، حب الحياة ، حب الاستقلال ، حب الاستطلاع ، حب الترقّي و التعالي و هو الحسد : و معنى الحسد أن الأنسان من حيث غريزته لا تطيب نفسه بأن يرى قرينه او شخصا مثله قد وصل الى مقامات مشكورة مذكورة من المال و الولد و الجاه و غيرها ، فيحب أن يسهّل لنفسه الوصول الى تلك الدرجات حتى يعادل ذلك الشخص ، و يسلبه إختصاص تلك الفضيلة ، فاذا لم يتمكن من ذلك تمنيّ زوال تلك النعمة عن صاحبها ، حتى يزول الامتياز و هذا هو الحسد .
و هذه الغريزة موجودة في كل فرد من افراد الناس : من الرجال و النساء و الاطفال ، و لكن هناك موانع تحول بين بعض الاشخاص و بين اظهار تلك الغريزة و الطبيعة ، و تلك الموانع إمّا شرعية كالاخبار الواردة في ذم الحسد ، أو موانع عرفية كالمحافظة على شخصية المتكلم ، او الخوف المحسود أو غير ذلك من الموانع ،
و النواهي الواردة عن الشرع في هذا الموضوع إنما تنهي عن اظهار الحسد و إبرازه ، و لا تنهي عن وجوده ، لأنه تكليف فوق الطاقة ، إذ الانسان مجبّل على هذه الطبيعة ، فلا يمكن تركها ، فذكر أمير المؤمنين عليه السلام مقدمة لبيان النهي عن الحسد ، حتى يكون ذو المقدمة أوقع في النفوس و آثر ، و المقدمة هذه :