شرح نهج البلاغة - القزويني الحائري، السيد محمد كاظم - الصفحة ٢٣٤ - المعنى
يشاهدون من المنكرات مع عدم التمكن من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر « قد وعظوا حتى ملوا » لعدم توجه الناس الى كلامهم ، و عدم تاثير المواعظ فيهم « و قهروا حتى ذلوا » لأن الذي يعارض أهواء الناس لا يرى إلا القهر و الذلة ،
كما هو شأن عباد اللّه الصالحين « و قتلوا حتى قلوا » كما صنعه معاوية و زياد بن ابيه ،
و ابن زياد و غيرهم من الذين قتلوا أولياء اللّه المقربين ، و اسملوا عيونهم ، و عذّبوهم بأنواع التعذيب .
فاذا كانت الدنيا هكذا « فلتكن الدنيا في اعينكم أصغر من حثالة القرظ » و هي ما يسقط من الدباغ « و من قراضة الجلم » و هي ما يسقط من أوبار الابل عند قرضها و قطعها ، « و اتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم » فان الانسان اذا نظر و فكر في احوال السابقين الذي اختطفتهم المنية ، فصاروا رهائن التراب ، و تركوا ما جمعوا حصلت له حالة إنزجار و توبه ، و ينبغي الاتعاظ قبل الموت ، فاذا مات اتعظ به من بعده ،
« و ارفضوها ذميمة فانها قد رفضت من كان أشغف بها منكم » اذا كانت الدنيا هكذا فينبغي تركها ، لأنها مذمومة عند الأنبياء و الأوصياء و اهل البصائر و اولى الألباب ، و لأنها قد رفضت و تركت الذين كانوا اشد لها حبا ، و اجمع منها مالا ، فان الانسان اذا لم يترك الدنيا تركته الدنيا ،
هذه الخطبة من اولها إلى آخرها في المواعظ و النصائح و التزهيد و الترغيب ،
و خاصة بيان حال جماعة من عباد اللّه الذين أخملتهم التقية و الخوف ، فلا يشك عاقل في إسناد الكلام الى أمير المؤمنين ، و لا يناسب هذا الكلام مع معاوية السفاك الغدار الكافر ، الذي حارب وصي رسول اللّه ، و اراق دماء مائة و ستين الفا من الناس لأجل الرئاسة و حب الدنيا و هنا انتهت الخطبة الثانية و الثلاثون