شرح نهج البلاغة - القزويني الحائري، السيد محمد كاظم - الصفحة ١١٦ - المعنى
و ليس هذا بمبالغة ، ففي الحديث ان رجلا فقيرا رأى أمير المؤمنين عليه السلام و هو راكب ، فوصل الامام الى باب المسجد فنزل عن راحلته ، و اراد ان يصلي في المسجد صلاة التحية ، فالتفت الامام الى ذلك الرجل الفقير و سلم اليه عنان جواده ، و قال : انتظرني حتى اصلي ركعتين و اخرج . فلما دخل الامام عليه السلام الى المسجد ليصلي أقبل الرجل و سرق ركاب الجواد ، و ربط العنان بباب المسجد ، و ذهب الى السوق و باعه بدرهمين . . . الخ ثم انه عليه السلام دعا عليهم بقوله : « اللهم إني مللتهم و ملّوني ، و سئمتهم و سئموني » شكى عليه السلام الى اللّه تعالى ما لاقاه من الناس ، لأن الناس الى اشباههم أميل و أرغب ، فأمير المؤمنين يميل الى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله :
و الى سلمان و عمار و ابي ذر و نظرائهم و أهل الكوفة تارة يبايعون الضب ، و تارة يطيعون ابا موسى الأشعري الحمار ، و تارة يصلون خلف الوليد السكران و يميلون الى زياد بن ابيه و الى ابنه ، و الى الحجاج و من شاكلهم ، فهذا عبد اللّه بن عمر بن الخطاب لا يبايع امير المؤمنين بعد مقتل عثمان ، و لكنه يبايع رجل الحجاج نيابة عن يد عبد الملك بن مروان ، فرع الشجرة الملعونة ، و هكذا و هلم جرا « فأبدلني بهم خيرا منهم و ابدلهم بي شرا مني » اولا : قد سبق أن الانبياء كانوا اذا يئسوا من هداية امتهم و ايمانهم باللّه يدعون عليهم ، و يسألون اللّه لهم العذاب كما قال نوح عليه السلام رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا . . . الايات ، و كذلك قوم لوط و صالح و عاد و ثمود و غيرهم نزل عليهم العذاب بطلب من نبيّهم ، بالاضافة الى المعاصي التي ارتكبوها ، و أغضبوا اللّه تعالى .
و ثانيا : قد يتجاهل بعض الناس في معنى هاتين الجملتين : « ابدلني بهم خيرا منهم و ابدلهم بي شرا مني » فالظاهر من افعل التفضيل يقتضي أن اهل الكوفة كانوا صلحاء اخيارا ، فسأل الامام ربه أن يعوّضه خيرا منهم ، او أن الامام أمير المؤمنين