شرح نهج البلاغة - القزويني الحائري، السيد محمد كاظم - الصفحة ١٧٩ - المعنى
المعنى
« أما بعد فان الدنيا قد أدبرت و آذنت بوداع » هذه الخطبة في المواعظ و النصائح و التزهيد عن الدنيا و الترغيب إلى الآخرة ، و في الحقيقة الوعظ لا يليق الا للنبي او الامام ، لأن الواعظ يلزم ان يكون متعظا . بأن يعظ نفسه ثم يعظ غيره ، و أن لا يخالف قوله فعله ، و لا لسانه قلبه ، و لا ظاهره باطنه ، و قد كان إمامنا عليه السلام كذلك و فوق ذلك ، انظر الى كلماته في المواعظ و النصائح ، و كلماته القصار في الحكمة و فضائل الاخلاق و غيرها ، ثم انظر إلى حياته المستنيرة من اولها الى آخرها فهل ترى خلافا بين قوله و فعله ؟ او تناقضا بين أوامره و سيرته ؟ او تباينا بين احكامه و أعماله ؟ و بين ارشاداته و اخلاقه ؟
كلا ثم كلا و حاشا ثم حاشا .
يقول عليه السلام : ان الدنيا قد ادبرت اي إنقضت و تنقضي ، فكأنها قد أدبرت ايامها ، و آذنت اي اعلمت و اعلنت الناس بالفراق بفراق كل شيء و فراق كل احد ،
لأنه لا بد من الفراق بين كل حبيبين بفقدان احدهما ، و فراقه عن الآخر ، هذا شأن الدنيا ، و اما الآخرة « و ان الآخرة قد أقبلت و أشرفت باطلاع » لا شك ان القيامة و الآخرة مقبلة الينا يوما بعد يوم ، و ساعة بعد ساعة ، و ان الآخرة تقرب شيئا فشيئا ، فان المسافر اذا كان متوجها الى بلد كلما سار و مشى قرب منه البلد ،
كأنه أقبل اليه ، و أشرفت باطلاع كأنها تنزل من مكان مرتفع إشارة الى سرعة إنقضاء العمر ، و فناء الزمان و سرعة تقلّب أحوالها ،