شرح نهج البلاغة - القزويني الحائري، السيد محمد كاظم - الصفحة ٢٤٤ - المعنى
فقاموا إليه و قالوا له : يا امير المؤمنين : قد نفدت نبالنا ، وكّلت سيوفنا ،
إرجع بنا إلى مصرنا لنصلح عدّتنا ، و لعل أمير المؤمنين يزيد في عددنا مثل من هلك منا ، لنستعين به . فأجابهم عليه السلام : يا قوم ادخلوا الارض المقدسة التي كتب اللّه لكم ، و لا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين .
فقالوا : ان البرد شديد . فقال عليه السلام : إنهم يجدون البرد كما تجدون فتلكأوا و ابوا .
فقال عليه السلام : أف لكم انها سنة جرت . ثم تلى قوله تعالى : قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبّارين ، و انا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فان يخرجوا منها فإنا داخلون فقام ناس منهم و اعتذروا بكثرة الجراح في الناس و طلبوا ان يرجع بهم الى الكوفة اياما ، ثم يخرج . فرجع عليه السلام بهم غير راض و انزلهم النخيله ، و امر الناس ان يلزموا معسكرهم ، و يقلوا زيارة اهلهم و ابنائهم حتى يسير بهم الى عدوهم ، فلم يقبلوا و دخلوا الكوفة ، حتى لم يبق معه من الناس الا رجال من وجوههم قليل ، و بقي المعسكر خاليا ، فلا من دخل الكوفة رجع اليه و لا من اقام معه صبر ، فلما رأى ذلك دخل الكوفة فخطب الناس ، فقال :
ايها الناس : استعدوا القتال عدو في جهادهم القربة الى اللّه ، و درك الوسيلة عنده ، قوم حيارى عن الحق لا ينصرونه ، موزعين بالجور و الظلم لا يعدلون به و جفاة عن الكتاب ، نكب عن الدين ، يعمهون في الطغيان ، و يتسكعون في غمرة الضلال ، فاعدّوا لهم ما استطعتم من قوة و من رباط الخيل ، و توكلوا على اللّه ، و كفى باللّه وكيلا .
فلم ينفروا فتركهم اياما ثم خطبهم فقال : « اف لكم لقد سئمت عتابكم » و تعبت و مللت من كثرة مخالفتكم و تثاقلكم عن الجهاد ، « ا رضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضا » لانكم تحبون البقاء في الحياة الدنيا عوضا عن الثواب الجزيل