شرح نهج البلاغة - القزويني الحائري، السيد محمد كاظم - الصفحة ٢٣٢ - المعنى
و الصنف الثالث « و منهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ، و لا يطلب الآخرة بعمل الدنيا » و هو المرائي المحتال ، الذي يتظاهر بالصلاح و الزهادة جلبا لقلوب الناس إليه لأغراضه الشخصية الدنيوية ، فانه يطلب الدنيا بعمل الآخرة و هو الزهادة و العبادة ، و لكن المسكين لا يطلب الآخرة و الجنة بالعمل في الدنيا ، و لا شك أن الذي يريد جلب القلوب إلى نفسه لا بد و ان يتواضع لكل احد « قد طأمن من شخصه » و هو الانحناء للناس أمامهم او « و قارب من خطوه » اي يمشي على وقار و سكينة ، و متانة و رزانة ، « و شمر من ثوبه » أي قصر ثيابه إحترازا عن النجاسة و إظهارا للطهارة بزعمه « و زخرف نفسه » اي زينها بزينة عباد اللّه الصالحين ،
فالقرآن تحت ابطه و السبحة بيده يديرها متمتما بلسانه ، « و اتخذ ستر اللّه ذريعة الى المعصية » كل ذلك ليرغب إليه الناس ، و يطمئنوا به ، و يعظم قدره عندهم ،
و أحسن مثال و أظهر مصداق للرجل المرائي الذي يطلب الدنيا بعمل الآخرة هو عبد اللّه بن الزبير ، فانه لما مات معاوية و استولى يزيد على الخلافة ، رشح ابن الزبير نفسه للخلافة ، و هرب من المدينة الى مكة ، و لزم جانب الكعبة فهو قائم يصلى عندها و يطوف ، و كان الحسين عليه السلام ايضا بمكة ، و كان اثقل خلق اللّه على ابن الزبير ، لانه عرف أن اهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين في البلد ، و قد اخبر الامام عليه السلام في بعض كلماته عن ابن الزبير بقوله عليه السلام :
خب ضب ، يروم أمرا فلا يدركه ، ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا ، و هو مصلوب قريش .
و الصنف الرابع : « و منهم من اقعده عن طلب الملك ضؤلة نفسه » لأن الانسان انما يرقى الى المعالي و السمو بقوة نفسه ، فاذا كانت النفس حقيرة ضعيفة دنيئة فلا طريق لها الى الملك بسبب الحقارة و الضعف ، « و انقطاع سببه » من