الإمام الخميني قدس الله سره و ثورته - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٤٤
الحسين عليه السلام وثبت عليه قبل وبعد ما وصلت إليه المعلومات الدقيقة الموثوقة بقتل رسوله إلى الكوفة مسلم بن عقيل، والارتداد عن بيعته تحت عوامل الترغيب والترهيب وأساليب البطش الطاغوتي التي مارسها عبيد الله بن زياد.
وقد كان للإمام الحسين عليه السلام من موفور المواهب الإلهية في ذاته من دون العصمة فوق ما يطمع فيه الكثير من ذوي النباهات والإدراكات المتميزة، وهو الذي عايش تقلّبات الساحة الاجتماعية والسياسية منذ نعومة الأظفار، ووقف على مراكز القوى ونمط العلاقات، وما يطبع مختلف التيّارات والطبقات المهتمة بالشأن السياسي آنذاك، وتلك التي تمثّل وفود التحرّكات، وذلك من خلال الاحتكاك برجالات تلك القوى باللقاء والمواجهات، ومن خلال موقعه الملتصق بمركز صنع القرار حيناً، والمعارضة حيناً آخر.
وهذا فضلًا عمّا له من جهة موروث الوحي ومعين العصمة جعل الوصول إلى صوابية تشخيصه والحكمة الفائقة في قرار الاستشهاد، وما حفّ ذلك من تحضيرات وإعداد كأخذه النساء والأطفال إلى ساحة المعركة في صحراء كربلاء، لا يتمّ لذوي النظر الثاقب إلّا من بعد زمن من استشهاده عليه السلام.
ولقد كان له من يقين الرؤية، ويقين الوظيفة والتكليف، ومن بنائه النفسي المحكم، وفولاذية شخصيته ما أفقد الكلمات المخذّلة، والاقتراحات بتغيير المسار ولو أتت من أكثر الناس شفقة وأصدقهم نصحاً وخبرة أن تنال من يقينه، أو تميل بوجهة نظره، وقد سمع منها الكثير المبالغ في الالحاح والتمني.
ولقد جاء النصُّ المبكِّر عنه عليه السلام الذي يجمع بين شهادته وشهادة صحبه وبين الفتح المبين، فتمّت الشهادة، وكان النصر الذي لم يكن يراه قبل أحد من أهل النظر الحديد، هذه كلمته التي حدَّدت الوسيلة وأعلنت النتيجة في أول الطريق: «فإنّه من لحق بي منكماستشهد ومن تخلف لم يبلغ مبلغ الفتح» [١]، فهو
[١] بحار الأنوار، المجلسي، ج ٤٤، ص ٣٣٠.