الإمام الخميني قدس الله سره و ثورته - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٤٠
و- التسليم والرضا:
من القيادات من يتمتع بالمعنويات الكبيرة ما دام نصر وتفوّق، وإذا كانت هزيمة استولى عليه ما يستولي على الصغار من الاندكاك، وقد يؤدِّي به الأمر إلى الانتحار؛ ذلك نمط من القيادات أكبر ما في طموحه أن ينتصر، والنصر عنده غلبة خارجية فيها الظهور والمكسب المادي والانتفاخ.
وأمّا الذين لا يرون لهم نصراً إلّا في مرضاة الله، ولا هزيمة إلا في غضبه فلا يصغرون بشيء ما داموا على طريقه، وكلّ سعيهم أن يؤدوا حقَّ المولى، ويستفرغوا الوسع في نصرة دينه ليستقبلوا النتائج الخارجية من بعد ذلك لهم أو عليهم برضاً وتسليم، مواصلين السعي ما ملكوا جهداً على طريق الله، ومن سخط وهو لا يجد باباً مفتوحاً على ما يرغب ذاب وانفجر وانتحر، وهذا لا يأتي على مجاهد في سبيل الله وَفّى وأخلص وإن أحاطت به الهزيمة من كلّ صوب؛ لأنَّ ما في وعيه وشعوره أنَّه في موطن الشكر لما وفّق، وأمّا النصر الفائت فهو أمرُ ربّه الذي لا يتحمّل هو ضمانته، ولا يشكُّ في قدرة الله عليه وحكمته في تأخيره.
هذان التسليم والرضا سمتان بارزتان في القيادة المبدئية يحفظان منها توازنها دائماً، ويبقيانها على الوقار، ويحميان معنوياتها من التصدّع، فلا تعرف من هزيمة الداخل شيئاً، ولا من شعور الخسارة ولو فتيلًا.
وهذه وقفة مع أبي عبدالله عليه السلام في عاصفات الشدائد: «كأني بأوصالي تقطِّعها عُسلانالفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن مني أكراشا جوفاء وأجربة سغبى لا محيص عن يومخط بالقلم. رضا الله رضانا أهل البيت» [١].
وفي جواب كلمة الفرزدق:" قلوبهم معك وسيوفهم مع بني أمية"
[١] اللهوف في قتلى الطفوف، ابن طاووس، ص ٣٨، وعنه في بحار الأنوار، المجلسي، ج ٤٤، ص ٣٦٧.