مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٧٩ - القرآن وأسرار الخلقة
فإنّه تعالى قد استعار لفظ «الذلول» للأرض، مع أنّه عبارة عن نوع خاصّ من الإبل، ويكون امتيازه بسهولة انقياده، ففيه إشارة إلى أنّ الخصوصيّة الموجودة، والذلول التي ليست لغيره، ثابتة في الأرض، فهي أيضاً متحرّكة بحركة ملائمة للراكب عليها، الماشي في مناكبها.
ومن البيّن أنّه مع قطع النظر عن هذه الخصوصيّة- وهي خصوصيّة الحركة- يكون إطلاق لفظ الذلول على الأرض واستعارته لها ليس له وجه ظاهر حسن، خصوصاً مع تفريع الأمر بالمشي عليه، وإطلاق لفظ المنكب كما هو غير خفيّ.
وقوله- تعالى-: «وَ تَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَ هِىَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ» [١].
فإنّه بقرينة وقوعها في سياق الآيات الواردة في القيامة وأهوالها، ربما يقال كما قيل بأنّ هذه الآية أيضاً ناظرة إلى أحوال القيامة وأهوالها، مع أنّه لا وجه للحمل على ذلك المقام، خصوصاً مع قوله- تعالى- في الذيل: «صُنْعَ اللَّهِ...» الظاهر في ارتباط الآية بشؤون الخلقة وابتدائها، وحسنها وجمالها، مع أنّها في نفسها أيضاً ظاهرة في أنّ المرور والحركة ثابت للجبال فعلًا، كما أنّ حسبان كونها جامدة أيضاً كذلك، فالآية تدلّ على ثبوت المرور والحركة للأرض من بدو خلقتها ومصنوعيّتها، وأ نّ الحركة دليل بارز على إتقانها.
وفيها إشارات لطيفة ودقائق ظريفة: من جهة أ نّه تعالى جعل الدليل والأمارة على حركة الأرض حركة الجبال التي هي أوتاد لها، ولم يثبت الحركة في هذه الآية لنفس الأرض من دون واسطة، ولعلّه للإشارة إلى أنّ حركة الجسم الكروي بالحركة الوضعيّة دون الانتقاليّة،
[١] سورة النمل ٢٧: ٨٨.