مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٦١ - التحدّي بالبلاغة
هذا العلم إلى مرتبة وصف اللَّه تعالى سحرهم بالعظمة [١]؛ لأنّه كاشف عن بلوغهم إلى المراتب العالية، والدرجات الكاملة، بعث اللَّه- تبارك وتعالى- رسوله بمعجزة مسانخة للعلم الشائع الرائج، وعبّر الكتاب العزيز عن تأثير تلك المعجزة بمجرّد الرؤية والمشاهدة، بأنّه «وَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سجِدِينَ» [٢]، فخضعوا قبالها لمّا رأوها، ورأوا أنّ ذلك فائق على القدرة البشريّة، وخارق للقواعد والنواميس الجارية.
وحيث كان الشائع في زمان عيسى- على نبيّنا وآله وعليه السلام- ومحلّ دعوته الطبّ، ومعالجة المرضى، وتوجّه الناس إلى هذا العلم توجّهاً كاملًا وصار هذا ملاكاً للقدر والفضيلة، ومناطاً للكمال والمزيّة؛ بعث اللَّه نبيّه بمعجزة مشابهة فائقة، وهو إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى [٣].
وحيث كان الرائج في محيط الدعوة الإسلاميّة علم البلاغة- على ما عرفت- في الأمر الأوّل [٤]، بعث اللَّه نبيّه الخاتم صلى الله عليه و آله بكتاب جامع كامل، مسانخ للعلم الرائج، فائق على جميع المراتب التي في إمكانهم، وتمام المدارج المقدورة لهم؛ ليخضعوا دونه بعد ملاحظة تفوّقه على المستوي المقدور، وخروجه عن دائرة الإحاطة البشريّة والعلم الإنساني [٥].
[١] سورة الأعراف ٧: ١١٦.
[٢] سورة الأعراف ٧: ١٢٠.
[٣] سورة آل عمران ٣: ٤٩، سورة المائدة ٥: ١١٠.
[٤] في ص ٥٧- ٥٨.
[٥] روي عن ابن السكيت أنّه قال لأبي الحسن الرضا عليه السلام: «لماذا بعث اللَّه موسى بن عمران عليه السلام بالعصا، ويده البيضاء، وآلة السحر، وبعث عيسى بآلة الطب، وبعث محمداً- صلّى اللَّه عليه وآله وعلى جميع الأنبياء- بالكلام والخطب؟ فقال أبو الحسن عليه السلام: إنّ اللَّه لمّا بعث موسى عليه السلام كان الغالب على أهل عصره السحر، فأتاهم من عند اللَّه بما لم يكن في وسعهم مثله، وما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجّة عليهم.
وإنّ اللَّه بعثعيسى عليه السلام في وقت قد ظهرت فيه الزمانات، واحتاج الناس إلى الطب، فأتاهم من عند اللَّه بمالم يكن عندهم مثله، وبما أحيى لهمالموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن اللَّه، وأثبت به الحجّة عليهم.
وإنّ اللَّه بعث محمداً صلى الله عليه و آله في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام- وأظنّه قال: الشعر- فأتاهم من عند اللَّه من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجّة عليهم.
.»، الكافي ١: ٢٤ كتاب العقل والجهل ح ٢٠، وعنه بحار الأنوار: ١٧/ ٢١٠ ح ١٥.