مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٩ - المقدّمة
هو مصون منه، وكان ذلك بمحضر جماعة من الأفاضل لايقلّ عددُهم، وعدّة من الأعلام يعتنى بشأنهم، وكنت أكتب خلاصة البحث؛ ليكون لي تذكرةً، ولغيري بعد مرور الأيّام تبصرةً، وقد بقي المكتوب في السواد سنين متعدّدة إلى أن ساعدني التوفيق ثانياً لإخراجه إلى البياض.
وأقرّ- ولا محيص عن الإقرار- بأنّ الإنسان يقصر باعه- وإن بلغ ما بلغ- ويقلّ اطّلاعه- وإن أحاط بجميع الفنون- عن البحث التامّ حول كلام الكامل، وكيف يصحّ في العقول أن يحيط الناقصُ بالكامل؛ سواء أراد الوصول إلى معناه، والبلوغ إلى مراده، أم أراد الوصول إلى مرتبة عظيمة، واستكشاف شؤونه من إعجازه وسائر ما يتعلّق به؟! ولكن لا ينبغي ترك كلّ ما لا يدرك كلّه، ولا يصحّ الإعراض عمّا لا سبيل إلى فهم حقيقته، خصوصاً مع ابتناء الدين الخالد على أساسه وإعجازه، وتوقّف الشريعة السامية على نظامه الرفيع؛ فإنّه- في هذه الحالة- لابدّ من الورود في بحر عميق بمقدار ميسور، والاستفادة منه على قدر الظرف المقدور.
ومع أنّ الكتاب- سيّما في هذه الأعصار التي تسير قافلة البشر إلى أهداف مادّية، وتبتني حياتهم التي لا يرون إلّاإيّاها على أساس اقتصاديّ، وأصبحت الشؤون المعنويّة كأنّه لا يحتاج إليها، والقوانين الإلهيّة غير معمول بها- قد صار هدفاً للمعاندين والمخالفين؛ لأنّهم يرون أنّ الاقتفاء بنوره، والخروج عن جميع الظلمات بسببه يسدّ باب السيادة المادّية، ويمنع عن تحقّق السلطة، ويوجب رقاء الفكر، وحصول الاستضاءة، فلابدّ لهم للوصول إلى أغراضهم الفاسدة من إطفاء نوره، وإدناء مرتبته، وتنقيص مقامه الشامخ، فتارةً: يشكّكون في إعجازه، ويوردون على الناس شبهات في ذلك، واخرى: يتمسّكون بتحريفه ويثبتون تنقيصه.