مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ١٤٨ - المقام الأوّل دعوى تواتر القراءات
عليه، والأخذ به في مقام العمل، ولا يلزم فيه الاعتقاد بصدوره عنه، وأ نّه كلامه؛ لأنّ الغرض مجرّد تطبيق العمل في الخارج عليه، لا صدوره وإسناده إليه، وهذا بخلاف كلام اللَّه المنزل المقرون بالتحدّي والإعجاز، ويكون هو الأساس للدين والأصل للهداية، والميزان للخروج من ظلمات الجهل والانحراف إلى عالم نور العلم والمعرفة؛ فإنّه لابدّ في مثل ذلك من وضوح كونه كلام اللَّه، وظهور صدوره عنه تبارك وتعالى.
أضف إلى ذلك أنّ القرآن- كما مرّ [١] في بحث الإعجاز مفصّلًا- نزل في محيط البلاغة والفصاحة، وكان واقعاً في المرتبة التي عجز البلغاء عن النيل إليها، والفصحاء عن الوصول إلى مثلها، ولأجله خضع دونه البعض، ونسب البعض الآخر إليه السحر، ومن هذه الجهة كان موضعاً لعناية المتخصّصين في هذا الفنّ، الذي كان هو السبب الوحيد عندهم للفضيلة والشرف، وبه يقع التفاخر بينهم.
ومن الواضح أنّه مع هذه الموقعيّة يكون كلّ جزء من أجزائه ملحوظاً لهم، منظوراً عندهم، من دون فرق في ذلك بين من آمن به، ومن لم يؤمن، فكيف يمكن أن ينحصر نقل مثل ذلك بخبر الواحد، كما هو غير خفيّ على من كان بعيداً عن التعصّب والعناد، متّبعاً لحكم العقل والنظر السَّداد؟! ثمّ إنّه ظهر ممّا ذكرنا: أنّ اتّصاف نقل القرآن بالتواتر، وانحصاره به إنّما هو على سبيل الوجوب واللزوم، بمعنى أنّ تواتره لا يكون مجرّد أمر واقع في الخارج، من دون أن يكون وقوعه لازماً، والاتّصاف بذلك واجباً، بل الظاهر لزوم اتّصافه به، وكون وقوعه في الخارج إنّما هو لأجل لزوم وقوعه فيه كذلك؛ لعين ما تقدّم من أصل الدليل على تواتره.
[١] في ص ٩٠.